Google+ Followers

الخميس، 28 فبراير، 2013

متحف سوسة تحفة فنية وثقافية عالمية تنتظر الزائرين

بعد إغلاق تجاوز 5 سنوات فتح متحف سوسة الأثري في جوان الماضي أبوابه ليعرض أمام الجمهور مخزونه التاريخي المبهر الذي يمتد إلى عصور وأزمنه سحيقة.
يقف الزائر الى المتحف منذ الوهلة على ضخامة الأشغال التي شهدها هذا المعلم المنتصب داخل القصبة القديمة بمدينة سوسة منذ 1897 .
لقد غيرت الأشغال تلك الصورة القديمة المرتبطة بهذا الفضاء والمتمثلة في مجموعة من الغرف الضيقة والمتلاصقة التي تكدست بها مئات القطع الأثرية دون ترتيب علمي أو جمالي.
كان الهدف من مشروع تهيئة المتحف الذي أشرفت عليه مجموعة من الخبراء الدوليين بالتعاون مع المعهد الوطني للتراث حسب ما أفادنا به السيد رضا بوصفارة مدير المتحف إعادة الإعتبار للقصبة التي حولتها الدولة إلى سجن مدني وثكنة وتقديم المجموعات الأثرية في إطار يضمن متطلبات العرض المتحفي المعاصر وقد إستلزم ذلك إنشاء قاعة العرض التابعة للمتحف تحت الأرض ووسط الفناء المركزي للقصبة.
توسع فضاء العرض ليصبح حاليا في حدود الألفي متر مربع فيما وصلت التكلفة الجملية لعملية التهيئة إلى 4 مليارات و600 ألف دينار وقد  تولت شركتان فرنسيتان التصميم المتحفي وتركيز الإنارة.
 تم تخصيص القاعة الكبرى التي تعترض الزائر في بهو المتحف لتقديم لمحة عن تاريخ منطقة الساحل وأبرز معالمها خلال الحقبة المتراوحة بين العصور القديمة والعصر الإسلامي أما القاعات الواقعة تحت أرضية الفناء الأكبر للقصبة فتؤثثها اللوحات الفسيفسائية والمنحوتات والأثاث الجنائزي والتماثيل والمسلات والنصب النذرية الحجرية والأثاث الجنائزي وهي متأتية من مختلف المواقع الاثرية بالجهة. 
                                   



                                   إشعاع عالمي
لا تكتسي أهمية متحف سوسة بعدا محليا فقط فهو يتميز بإشعاع متوسطي وعالمي باعتبار مخزونه التراثي المدهش إذ يملك واحدة من أهم المجموعات الفسيفسائية في العالم وهي ثاني مجموعة بالبلاد التونسية بعد متحف باردو .
ولهذا السبب تحديدا يشكل هذا المعلم الثقافي عنصرا مهما ضمن المنتوج السياحي بمدينة سوسة  وتوفر وزارة السياحة عبر مجموعة من الكتب والمنشورات الخاصة بلغات متعددة  والتي يمكن الحصول عليها مجانا في المدخل فكرة عن المتحف ومحتوياته التي عثر عليها عقب أعمال التنقيب التي جرت في نهاية القرن التاسع عشر بمناطق الجم والنفيضة والمكنين وسوسة وثمترا وأوزيتا .
                              
                      كأنك في متحف اللوفر بباريس
عندما تدلف الى الفضاء تحت الأرضي تقف على روعة هذا المخزون الاثري فاللوحات الفسيفسائية العملاقة تعترضك بألوانها الزاهية وتعابيرها المتنوعة التي تعكس المعتقدات والطقوس والألعاب والحياة اليومية في ابهى صورها الممكنة .  
وضعت هذه القطع الفسيفسائة في مستوى الأرضية أو تم تثبيتها على الجدران حتى يتمكن الجائل في المتحف من رؤيتها كما تمت المراوحة بين الإضاءة الإصطناعية والإضاءة الطبيعية مما أضفى على المعروضات بعدا جماليا راقيا لا يختلف في شيئ عن ذلك المعتمد في أكبر المتاحف العالمية حتى أنك تتصور نفسك لبعض الوقت بصدد التجول في متحف اللوفر بباريس.
هذا البعد الجمالي الراقي يصادفك أيضا في القاعة البونية حيث تعرض مجموعة المسلات والجرار الجنائزية التي تم العثور عليها بمعبد "ألتوفيت" بسوسة أو تلك التي أفرزتها الحفريات التي جرت بالقصبة  كما تراه أيضا في القاعة المخصصة للحقبة الرومانية والتي تعرض مجموعة من المسلات الجنائزية الوثنية والأواني المصنوعة من الفخار الأحمر والتماثيل الصغيرة ومن بينها التمثال الشهير للمرأة السكرانة.
الرحلة في متحف سوسة تنتهي بك حتما في القاعة المسيحية التي تعرض فيها اللوحات الفسيفسائية  والمسلات والنقوش الجنائزية التي تم العثور عليها في السراديب تحت الأرضية بمدينة سوسة والتي تعد الاكثر اهمية في العالم القديم كما يؤكده علماء الاثار العاملون في وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية. 
                              نقص الدعاية
عندما وطئت أقدامنا أرض المتحف في هذه الصبيحة الباردة من شهر نوفمبر كان المكان خاليا تقريبا من أي زوار وكل ما صادفنا هو الحارس ثم العاملون في المكتب التابع لوزارة السياحة المسؤولة عن الإستغلال التجاري لهذا الفضاء .
"الناس لم تأخذ علما بأن المتحف أعيد افتتاحه من جديد بعد سنوات طويلة من الإغلاق وهذا ما يفسر الإقبال الضعيف على مدى الأشهر الماضية" هكذا تحدثت إلينا موظفة السياحة مضيفة أيضا أن معدل الإقبال خارج فترة الذروة الصيفية لا يتجاوز 20 شخصا أغلبهم من السياح رغم الحوافز التي تتوفر للتونسيين حيث يمكنهم الدخول مجانا في أوقات محددة وهذا دون إعتبار التسهيلات الممنوحة للهياكل والجمعيات والمدارس وغيرها .
قد يكون نقص الدعاية عنصرا من العناصر التي تفسر ضعف عدد الزوار الى المتحف لكن عدة أسباب أخرى مرتبطة بطبيعة مدينة سوسة السياحية والترفيهية تقف حاجزا منيعا أمام ترويج المتحف جماهيريا والتعريف بمحتوياته لدى الجمهور الواسع والعريض.
                       المتحف في خدمة المبدعين
المتحف يحتاج مع ذلك إلى جهد دعائي إضافي وإلى تصور ثقافي يقطع مع المألوف وربما يكون هذا بالضبط ما توصلت إليه مصالح وزارة الثقافة التي نجحت في تحويل هذا الفضاء الجميل إلى بؤرة تحتضن الإبداع والمبدعين.
"لقد ترافق إفتتاح المتحف مع مولود ثقافي جديد هو ليالي متحف سوسة التي انتظمت بدعم من وزارة الثقافة ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية وقد تضمنت هذه التظاهرة 6 سهرات والمفاجأة السارة التي كانت في إنتظارنا هي الإقبال المكثف والنوعي لجمهور سوسة .
كان هدفنا عبر هذه السهرات الثقافية التعريف بالمتحف في نسخته المتطورة والعصرية وخلق فضاء ثقافي جديد إلى جانب الفضاءات الكلاسيكية وتجاوز الدور التقليدي للمتحف المتمثل في إستقبال الزوار وأعتقد أننا كسبنا الرهان وهذا ما شجعنا لاحقا على مواصلة إستغلال هذا الفضاء المتميز حيث إحتضن في رمضان" ليالي المالوف "...هذا ما صرح لنا به السيد الشاذلي عزابو المندوب الجهوي للثقافة بسوسة وهو يستعرض لنا أوجه إستغلال المتحف لبعض الأنشطة الثقافية والفنية.
أكد لنا المندوب كذلك أن المتحف إحتضن مؤخرا تظاهرة "أكتوبر الموسيقي" ومرة أخرى كان الجمهور حاضرا بكثافة غير ان الحلقة المفقودة في كل هذا هي عدم إستعادة السياحة لعافيتها وهو ما يؤثر على عدد الزوار الذي يبقى بعيدا جدا عن المأمول.
                                  إدارة وقتية
يهمس لنا أحد الموظفين ليشدد  على أن المتحف بدون مدير فعلي منذ رحيل المدير السابق لأسباب قيل لنا أنها تتعلق بسوء التصرف في هذا الفضاء ...نحاول أن نتقصى هذه المعلومة لكن كل ما نحصل عليه هو نفي هذا الأمر والتأكيد على أنه لا وجود لأي إشكال يتعلق بالتصرف.
الثابت في المقابل أن المدير الحالي رضا بوصفارة يظل "مؤقتا" في سوسة بينما هو  المدير الفعلي لمتحف المهدية .
هو وضع غير طبيعي فعلا يتواصل منذ عدة أشهر دون أن تتحرك وزارة الثقافة لتوفير البديل ليصبح المؤقت دائما وكأنه إستنساخ للوضع السياسي الذي يعيشه البلد .
                           الكرة في ملعب وزارة السياحة 
جولة ممتعة ...ساحرة ...مبهرة تنقلنا خلالها بين العصور ووقفنا فيها على العبقرية المبدعة
لعديد الشعوب والحضارات التي تعاقبت على مدينة سوسة وجهة الساحل عموما لكن ونحن نغادر ظلت في الحلق بعض المرارة المرتبطة بضعف الإقبال على هذا الفضاء الثقافي المهم وبعدم إنتباه الجهات المسؤولة إلى كون الدعاية عنصرا حيويا في منظومة التنمية السياحية .
المسؤولية تتحملها بالدرجة الأولى وزارة السياحة المدعوة إلى التعريف على نطاق واسع بعودة متحف سوسة الى الواجهة مجددا بعد إغلاق لفترة طويلة ومصاريف ضخمة تم إنفاقها ليكون هذا المعلم في حجم الكنز الذي يختبئ بين جدرانه.
                                                                                                                                       ياسين بن سعد       

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق