Google+ Followers

الخميس، 28 مارس، 2013

تونس ـ يجب أن يضمن القانون الجديد استقلالية القضاء

تونس ـ قالت هيومن رايتس ووتش اليوم إن على المجلس الوطني التأسيسي في تونس الالتزام بتحقيق استقلالية القضاء والقطع مع تدخل الحكومة فيه. وسوف ينظر المجلس التأسيسي في مشروع قانون لإنشاء الهيئة الوقتية للقضاء العدلي في وقت لاحق من هذا الأسبوع، وسوف تعوّض هذه الهيئة المجلس الأعلى للقضاء الذي فقد مصداقيته كجهة مسؤولة على سير المنظومة القضائية. ورغم أن مشروع القانون الجديد فيه تحسّن عن المشروع الذي سبقه في 2012، إلا أنه لا يزال يثير مخاوف من مدى قدرة الوزراء على التأثير على قرارات تأديب القضاة ومسائل أخرى تمسّ استقلاليتهم عن الحكومة.

وكان المجلس الأعلى للقضاء، الذي تأسس سنة 1967، يُستخدم في فترة حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي لمساعدة السلطة التنفيذية على تقويض استقلالية القضاء وجعل المحاكم خاضعة للسلطات السياسية. ويُتوقع أن ينظر المجلس التأسيسي في مشروع القانون هذا الأسبوع. وكان المجلس قد ناقش مشروعًا سابقًا في يوليو/تموز 2012، ولكنه قام بتجميده بعد ذلك بشهر بعد أن رفضت بعض الأحزاب منح الهيئة الوقتية الاستقلالية المالية والإدارية.

وقال إيريك غولدستين، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "إن تونس في أمس الحاجة إلى قضاء مستقل بعد أن كانت السلطات السياسية منذ سنوات عديدة تتلاعب بالمحاكم وتحرم الناس من العدالة. وتتوفر للمجلس الوطني التأسيسي فرصة للقطع مع التدخل في المحاكم بتبني نصّ قانوني قويّ يتعلق بهيئة القضاء". 

وقالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات لم تحرز تقدمًا كبيرًا في تعزيز وضمان استقلالية القضاء منذ الإطاحة بـ بن علي منذ سنتين. وواصلت وزارة العدل بشكل خاص التدخل في تعيين القضاة وترقيتهم والتخطيط لعزلهم. وفي مايو/أيار، قام نور الدين البحيري، وزير العدل انذاك، بعزل 75 قاضيًا بشكل تعسفي بعد ان اتهمهم بالفساد وجرائم أخرى وحرمهم من التمتع بفرصة الدفاع عن أنفسهم.

وقامت هيومن رايتس ووتش بتحديد الأدلة على أن قرارات العزل كانت غير عادلة وتعسفية بعد أن أجرت مقابلات مع عشرة قضاة ممن شملتهم هذه القرارات. واتهم هؤلاء القضاة وزير العدل بتطبيق إجراءات تأديبية تجاهلت أبسط مقومات المحاكمة العادلة والشفافة وانتهكت المعايير الدولية الكفيلة بتحقيق استقلالية القضاء. ولم يتمكن هؤلاء القضاة من الإطلاع على ملفاتهم، ولم اقم هيئة مستقلة بالاستماع إليهم، كما أن الوزير لم يحدد المعايير التي تم بمقتضاها عزلهم أو الأدلة التي تدعم قراراته. كما امتنع وزير العدل عن الإجابة عن طلب تقدمت به هيومن رايتس ووتش والقضاة العشرة للإطلاع على ملفاتهم والتهم الدقيقة المنسوبة إليهم.

وقال إيريك غولدستين: "إن الطريقة التي اعتمدها وزير العدل لإقالة أكثر من سبعين قاضيًا في مايو/أيار قوضت أي أمل في إمكانية إنشاء منظومة قضائية مستقلة بشكل فعلي في تونس ما بعد بن علي. ويتعين على المجلس التأسيسي، وهو بصدد مناقشة مشروع القانون الجديد هذا الأسبوع، أن يعطي لهيئة القضاء الجديدة صلاحية إعادة فتح ملفات القضاة الذين تم عزلهم".

وينص مشروع القانون المقترح على أن تعوض الهيئة الوقتية للقضاء العدلي المجلس الأعلى للقضاء، وأن تشرف على تعيين وترقية ونقل وتأديب القضاة. ويحتوي مشروع القانون الذي سوف ينظر فيه المجلس التأسيسي على تحسينات هامة مقارنة بالمشروع الذي تمت مناقشته في يوليو/تموز 2012. ويقترح المشروع الجديد أن تتمتع الهيئة الوقتية باستقلالية إدارية ومالية، وأن يمثل القضاة فيها نصف الأعضاء العشرين، وأن يتم انتخابهم بشكل مباشر من زملائهم القضاة، وأن تتكون باقي التركيبة من رئيس محكمة التعقيب، ومسؤولون كبار عن النيابة العمومية، ونائبين من المجلس التأسيسي، وممثلين عن هيئة المحامين، وآخرين عن المجتمع المدني والمجال الأكاديمي، إضافة إلى المتفقد العام لوزارة العدل.

ولكن عندما تنظر الهيئة في الأمور التأديبية، فان تركيبتها سوف تتكون من سبعة أعضاء فقط، ومن بينهم أقلية من ثلاثة قضاة منتخبين، في ما تعين السلطة التنفيذية الأعضاء الأربعة الآخرين. وتتعارض هذه التركيبة مع المعايير الدولية الخاصة بتأديب القضاة.

وبينما لا يقدم القانون الدولي نموذجًا واحدًا لضمان استقلالية القضاء، إلا أنه يُشجع الدول على إنشاء هيئة للإشراف على القضاء لا تسيطر عليها السلطات التنفيذية والتشريعية. وتنص عديد الآليات الدولية على أن تتكون هذه الهيئة من قضاة وغير قضاة، وأن يكون عدد كبير من أعضائها، أو أغلبيتهم، منتخبين من قبل السلطة القضائية.

وعلى سبيل المثال، ينص الميثاق الأوروبي بشأن النظام الأساسي للقضاة التابع للمجلس الأوروبي على أن توجد هيئة مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، يكون ما لا يقل عن نصف أعضائها قضاة منتخبون من زملائهم باتباع طرق تضمن أوسع تمثيل للسلطة القضائية. ويجب أن تكون الهيئة على ذلك النحو خاصة في ما يتعلق بالمسائل التأديبية التي ينص الميثاق على أن يكون فيها أغلب الأعضاء من القضاة المنتخبين.

كما لا يحتوي نص مشروع القانون على ضمانات كافية لمنع التدخل السياسي في انتخاب القضاة لأن العملية الانتخابية برمتها سوف تُشرف عليها لجنة داخل المجلس الوطني التأسيسي.

ولكن مشروع القانون الجديد يوفر حماية أفضل للقضاة من النقلة التعسفية، وهو الإجراء الذي كان يتم اتخاذه في فترة حكم بن علي لإرسال القضاة إلى مناطق نائية بسبب عدم الالتزام بإرادة الحكومة. وكان المشروع السابق يتضمن صياغة غير واضحة يُمكن أن تُستخدم لنقلة القضاة بسبب "مصلحة العمل". ولكن المشروع الجديد يمنع نقلة القضاة دون موافقتهم الكتابية، باستثناء الحالات التي تكون فيها النقلة "ضرورية" لتحقيق "مصلحة العمل". وتم تحديد هذا الاستثناء بشكل أفضل في مشروع القانون الجديد وهو يقتصر على الحالات التي تكون فيها شغورات في المحاكم، أو عند تعيين قضاة في مناصب جديدة، أو عند حصول ارتفاع كبير في حجم العمل في إحدى المحاكم، أو عند تعيين موظفين قضائيين في محاكم جديدة. كما يوفر مشروع القانون حماية أكبر من النقل التعسفية بالتنصيص على أن تبحث الهيئة الوقتية عن متطوعين للعمل في المركز الجديد، وإذا تعذر ذلك، فان الهيئة مُلزمة بتعيين قاض يعمل في مكان قريب من ذلك المركز.

ولكن مشروع القانون لا يحدد الأسباب التي يمكن اعتمادها لاتخاذ إجراءات تأديبية في حق أحد القضاة، ويكتفي بالإشارة إلى القوانين الجاري بها العمل. ولأن قانون سنة 1967 يسمح لمجلس التأديب باتخاذ إجراءات ضدّ أي قاض متهم بانتهاك "واجبات الوظيفة أو الشرف أو الكرامة"، فان عدم التنصيص على مفاهيم أكثر دقة من شأنه تعريض القضاة إلى إجراءات تأديبية بشكل تعسفي.

إضافة إلى ذلك، ينص مشروع القانون على أن تبقى أحكام القانون رقم 29 لسنة 1967 المنظم للسلطة القضائية التي لا تتعارض مع القانون الجديد سارية المفعول. وهذا يعني أن القانون سوف يحافظ على السلطة الممنوحة لوزير العدل في المسائل التأديبية المتعلقة بـ:

إصدار إنذارات للقضاة بغض النظر عن أي عقوبات تأديبية تصدر عن الهيئة الوقتية،
في الحالات المستعجلة، تعليق مهام القاضي الخاضع للتحقيق إلى أن تتخذ الهيئة قرارًا نهائيًا بشأن الإجراء التأديبي الذي سوف يُتخذ في حقه.
وقال إيريك غولدستين: "يجب على المجلس الوطني التأسيسي التقيد بالمعايير الدولية لضمان حماية القضاة من تعليق مهامهم أو عزلهم عن العمل بشكل تعسفي. كما يجب تمكين أي قاض متهم بارتكاب جريمة ما من إجراء قضائي عادل وشفاف ومحايد".

واستنادًا إلى المبادئ والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في محاكمة عادلة والمساعدة القانونية في أفريقيا، التي اعتمدتها اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في 2005، فإنه يحق لموظفي القضاء الذين يواجهون إجراءات تأديبية أو تعليق مهام أو طرد أن يحصلوا على ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك الحق في أن يمثلهم ممثل قانوني يختارونه، وفي مراجعة مستقلة للقرارات المتعلقة بالتأديب أو تعليق المهام أو الطرد.

كما ينص التعليق العام رقم 32 للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وهي لجنة الخبراء التي تقدم تفسيرات مُلزمة للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه:

لا يجوز فصل القضاة من الخدمة إلا لأسباب خطيرة تتعلق بسوء السلوك أو عدم الكفاءة، ويكون ذلك وفقًا لإجراءات منصفة تكفل الموضوعية والحياد بموجب الدستور أو القانون. كما يتعارض مع استقلال السلطة القضائية قيام السلطة التنفيذية بفصل قضاة من الخدمة، على سبيل المثال قبل انقضاء مدة الولاية المحددة لهم، أو من دون إبداء أسباب محددة، أو حصولهم على حماية قضائية فعالة تمكنهم من الاعتراض على الفصل من الخدمة.

كما قال مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني باستقلالية القضاة والمحامين إن أي قانون يحكم المنظومة القضائية يجب أن يوفر توضيحًا دقيقًا للانتهاكات التي يرتكبها القضاة والتي تنجم عنها إجراءات تأديبية، ومدى خطورة الانتهاكات والإجراءات التأديبية الخاصة التي تستوجبها.

وقال إيريك غولدستين: "أمام المجلس الوطني التأسيسي فرصة للمساعدة على تحقيق استقلالية القضاء بشكل قوي والقطع مع الانتهاكات التي كانت تشهدها تونس، ولكن ذلك لن يتحقق إلا بإدخال تعديلات ضرورية على مشروع القانون الحالي".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق