Google+ Followers

الجمعة، 22 مارس 2013

التجربة التركية بين الإستلهام المُستحيل في مصر والمُمكن في تونس

بعد مرور عامين على اندلاع ثورات الربيع العربي، وفي ظل التعثرات التي تتعرض لها تجارب الإنتقال الديمقراطي في تونس ومصر وليبيا واليمن، تطرقت دراسة أمريكية جديدة لاحتمالات نجاح الإستلهام من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي وفشله في الدول المعنية.
عندما التقت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون بنظيرها التركي في واشنطن في أعقاب نجاح الثورتين التونسية والمصرية في التخلص من دكتاتورية بن علي ومبارك قالت: "إن شعوبا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتطلع لأخذ الدروس والعبر من التجربة التركية". وبعد أن نجح حزب النهضة في تونس في الفوز بالإنتخابات في 23 أكتوبر 2011، صرح السيد راشد الغنوشي زعيم الحزب بأن "تركيا تشكل نموذجا يمكن أن تحتذي به تونس في عملية التحول نحو الديمقراطية".

في مصر أيضا، ارتفعت أسهم رئيس الوزراء التركي رجب الطيب أردوغان وانتظر المصريون أن تبدأ بلادهم بعد الثورة نهضة مشابهة لما أنجزه في بلاد الأناضول. ولكن مع العثرات التي تواجهها الثورتان التونسية والمصرية، أجرى معهد بروكنغز الأمريكي دراسة لاختبار ما إذا كانت التجربة التركية التي اعتمدت على الأخذ بسياسات تتفق مع التوجه الإسلامي لحزب العدالة والتنمية بشكل ديمقراطي دون تحوّل البلاد إلى دولة إسلامية تشكل نموذجا يمكن لتونس ومصر أن تسيرا على هديه.
اختلافات بين تركيا وبلدان الربيع العربي

الدراسة توصلت إلى وجود اختلافات أساسية بين الظروف التركية والواقع على الأرض في دول الربيع العربي التي فاز فيها الإسلاميون بالأغلبية في الإنتخابات: أولا، الدستور التركي كدستور علماني لا يسمح لأي مؤسسة دينية بأن تسمو على فروع الحكم الثلاثة التنفيذي والتشريعي والقضائي. وثانيا، لا ينص الدستور التركي على أن الإسلام هو الدين الرسمي للجمهورية التركية. وثالثا، حافظ الجيش التركي على صيانة الطبيعة العلمانية لتركيا كضامن للدستور. ورابعا، استقر وجدان الشعب التركي على الفصل بين الدين والدولة منذ انتهج مصطفي أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة الإتجاه العلماني واضطر الإسلاميون في نهاية المطاف إلى الإعتدال.

تبعا لذلك، ترى دراسة معهد بروكنغز أن ارتباط نجاح التجربة التركية بالإعتماد على التوجه العلماني يجعل الأخذ بها في مصر أكثر صعوبة من تونس لشيوع الربط في مصر بين العلمانية وعدم التدين. وخلصت الدراسة إلى أن النظام السياسي التركي وما شهده من تحولات قد يكون مُلهما لكل من مصر وتونس بعد الثورة وليس بالضرورة نموذجا يمكن الأخذ به ككل.
أردوغان ورفاقه اضطروا للإعتدال

من جهته، يرى الصحفي التركي مصطفي أكيول مؤلف كتاب "إسلام بلا تطرف" أن التجربة التركية التي اعتمدت على المجابهة لعقود بين الإسلاميين من جهة والعلمانيين من غلاة المساندين لتوجهات أتاتورك من جهة أخرى مع ممارسة الجيش مهمة حامي الدستور العلماني سرعان ما أدت إلى بروز زعماء إسلاميين معتدلين مثل عبد الله غول والطيب أردوغان.

هذان الزعيمان كانا  تلميذيْن للزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه الإسلامي ثم تخلا لاحقا عن الأيديولوجية الإسلامية في الحكم وقبلا بالإطار الديمقراطي العلماني للدولة التركية، وركزا بشكل أساسي جهودهما على إنجاز النمو الإقتصادي وتحقيق الديمقراطية. ويقول الخبير التركي: "ما أن وصلا إلى الحكم حتى أوفيا بما وعدا به من نمو اقتصادي مُذهل، سرعان ما جعل الليبراليين العلمانيين حلفاء لهم".
سياقات التجربة التركية.. مختلفة

توجهت swissinfo.ch  بسؤال للدكتور سامر شحاتة أستاذ السياسات العربية المساعد بجامعة جورجتاون لمعرفة تقييمه لمدى ملائمة التجربة التركية للتطبيق في مصر وتونس فقال: "مع رسوخ اعتقاد خاطئ بين الإسلاميين في مصر بأن الفصل بين الدين والدولة يشكل عداء للدين، يصعب الأخذ بما انطوت عليه التجربة التركية حتى تحت حكم حزب أردوغان من إقرار بعلمانية الدولة".

من جهة أخرى، "يُقر الدستور المصري وعلى العكس من الدستور التركي بأن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام، بل إنه فتح في صيغته التي تم إقرارها الباب أمام الأزهر كمؤسسة دينية لتقرر ما إذا كان أي تشريع يتفق أو يخالف الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى أنه لا الإخوان المسلمون ولا السلفيون سيقبلون بمنهج أردوغان في إعلاء شأن النمو الاقتصادي والديمقراطية على الأيديولوجية الإسلامية"، على حد قول شحاتة.

بدوره، يسجل الدكتور توفيق عبد الحميد كبير الباحثين بمعهد بوتوماك لدراسات السياسة ومؤلف كتاب "داخل الجهاد: فهم ومجابهة الإسلام المتطرف"، والذي كان في شبابه منضما للجماعة الإسلامية في مصر وانشق عنها بعد انتهاجها للعنف فروقا أخرى تحول دون الأخذ بالتجربة التركية في مصر: "حينما فاز حزب العدالة والتنمية في تركيا بالانتخابات على مدى السنوات العشر الماضية كان المنافسون الرئيسيون له هم الليبراليين والعلمانيين، أما في مصر فعندما فاز حزب الحرية والعدالة الذي أنشأته جماعة الإخوان المسلمون كان منافسوه الرئيسيون السلفيين وحلفاؤهم في الجماعات الإسلامية، فالمسرح السياسي مختلف تماما."

ويشير الدكتور توفيق عبد الحميد إلى أن زعماء الإخوان المسلمين رحبوا ترحيبا حارا برئيس الوزراء التركي أردوغان عندما قام بزيارة مصر ثم انقلبوا عليه وانتقدوه انتقادات موجعة عندما نصح بأن تصبح مصر دولة علمانية، منبها إلى أن ذلك لا يعني الإبتعاد عن التدين: "هناك فارق أساسي بين حزب أردوغان وحزب محمد مرسي فالإخوان ليسوا مستعدين للإعتدال في مواقفهم، ولا زالوا مصرين على رفع شعار الإسلام هو الحل ولذلك فإن أولويتهم الأولي تمكين جماعة الإخوان المسلمين من مفاصل الدولة المصرية، وليس النهضة أو النمو الاقتصادي في إطار من الديمقراطية."
الدكتور توفيق عبد الحميد
يعمل كبيرا للخبراء في معهد بوتوماك لدراسات السياسة ورئيسا لقسم دراسات التطرف الإسلامي.

مُفكر إسلامي إصلاحي، توصل عن طريق انضمامه في شبابه للجماعة الإسلامية في مصر إلى قناعة بخطورة التيار الإسلامي المتطرف على المجتمع ومدنية الدولة.

أدرك مدي الحاجة إلى التأكيد على ضرورة العمل على إصلاح المجتمع الإسلامي والعودة به إلى الإسلام المعتدل من خلال تفسيرات معاصرة وسلمية وصحيحة للنصوص القرآنية في مواجهة ما يروجه المتطرفون الإسلاميون من تفسيرات مغلوطة.

ألف كتابا بعنوان: Inside Jihad: understanding and confronting radical Islam
أي "داخل الجهاد: فهم ومجابهة الإسلام المتطرف".
تونس أكثر استعدادا للتجربة التركية

البروفيسور سامر شحاتة يرى أن تاريخ تونس يقربها أكثر من فرص الإستفادة من تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا ويشرح السبب فيقول: "أولا، لا ينص الدستور التونسي على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، كما أن لتونس طبيعة علمانية جرى تكريسها من خلال توجهات الرئيس الحبيب بورقيبة العلمانية فيما بين عامي 1957 و1987 وبالتالي فإن الوضع في تونس أكثر تقاربا مع ما كانت عليه تركيا في القرن العشرين. وثانيا، هناك رغبة لم يُخفها السيد راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي المعتدل في الإستفادة من التجربة التركية خاصة تجربة أردوغان وليس أربكان.، وثالثا، تونس تتجه بشكل أفضل نحو بناء دولة حديثة تمنح كل مواطنيها نفس حقوق المواطنة وتحترم الحريات المدنية وحقوق الإنسان".

ويضيف البروفيسور سامر شحاتة أن الجيش التونسي أعرب بكل صراحة ووضوح عدم رغبته في القيام بدور سياسي مما ينقل التجربة التونسية مباشرة إلى تجربة أردوغان الناجحة في التركيز على التنمية الإقتصادية دون وجود تأثير للمؤسسة العسكرية.

الدكتور توفيق عبد الحميد يتفق مع هذا التحليل ويرى أن نجاح تونس في استيعاب تشكيلة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية في الحكومة الجديدة يشير إلى رغبة الإسلاميين الفائزين بالإنتخابات في التوافق لإنجاح الجهد الجماعي نحو حل مشاكل البلاد وتعزيز اقتصادها على عكس ما يحدث في مصر من استقطاب سياسي أدي إلى العنف وعدم الإستقرار وإغلاق الأفق السياسي بسبب تعنت الإخوان المسلمين ورغبتهم في "أخونة الدولة"، حسب رأيه. وتبعا لذلك، عادت بعض القوى السياسية للمطالبة بأن يُمارس الجيش المصري ما مارسه جنرالات الجيش التركي لعقود وهو "حماية الطبيعة العلمانية للدولة والمجتمع حتى لا تتحول مصر إلى إمارة إسلامية" مثلما يحلم بذلك البعض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق