Google+ Followers

الأحد، 24 مارس 2013

حكومة في خصومة مع ذاكرة شعبها مالك التريكي

يذكر الباحث الأمريكي تشارلز غالغر في أحد تقاريره من تونس إبان نيلها الاستقلال عام 1956 أن بورقيبة ردد أمامه مرارا أن ما يطمح إليه هو أن تحقق تونس التقدم الذي حققته السويد. كان يردد: ما المانع في أن ننجح كما نجحت السويد؟ ويقول غالغر (الذي ألف لاحقا كتيبا عن دور السويد في رفد جهود التنمية في تونس) إن بورقيبة كان جادا كل الجد. ورغم اعتقاده أن همة بورقيبة قد تعلقت بحلم يكاد يكون مستحيلا، بالقياس إلى الواقع التونسي الضاجّ آنذاك بكل علل التخلف، فإنه لم يستغرب هذا الموقف من بورقيبة.
ذلك أن هذا الزعيم الفذ، ذا الشخصية الآسرة، كان يؤمن أن الأمر الإنساني كله منوط بالإرادة. كان يرى، بوضوح المنطق الديكارتي وبصيرة المقاصدية الإسلامية، أنه بمثلما خاضت البلاد الجهاد الأصغر (ضد الاستعمار) فلا بد أن تخوض الجهاد الأكبر (ضد التخلف) في سياقين متضافرين، سياق ثابت من الوحدة الوطنية وسياق جديد من ثقافة العلم والعمل. وتتبين أولوية العلم والعمل عنده في ما يرويه الأستاذ الجليل مصطفى الفيلالي، في كتابه التأريخي الأدبي الطريف 'موائد الانشراح'، عن اهتمام بورقيبة بقضية الجلاء الزراعي، مطلع الستينيات، وكيف أنه سأل يوما إن كانت مزرعة كذا قد انتقلت من أيدي المعمرين الفرنسيين إلى الدولة التونسية، وعندما أتاه الرد بالإيجاب، قال ما معناه: 'طيب، ولكن ماذا عن الإنتاجية؟ هل ستكون محاصيل المزرعة في أيدي التونسيين بقدر ما كانت في عهد الفرنسيين؟' ثم علق منبها أن المزرعة المذكورة كانت في عهدة مجموعة من رجال الدين النصارى وأن هؤلاء قوم علم وعمل، قوم 'يعملون بدأب مثل خلية النحل، بخلاف مشائخ الدين عندنا، أولئك الذين لا همّ لهم سوى لذة البطن و...
ويتقاطع ما رواه الفيلالي مع ما طرحه شيخ جليل آخر هو الأستاذ محمد الطالبي عندما كتب في 'جون أفريك'، بعيد وفاة بورقيبة عام ألفين، أن إعراض بورقيبة عن الأوساط الدينية يعود إلى سببين: الأول أن كثيرا منهم لم يشاركوا في الكفاح الوطني، بل إن منهم من كان يثبط العزائم ويبرر الاستكانة للواقع من منطلق الرضا بالقدر. أما السبب الثاني - وهو الأعم والأهم - فهو أنه قد كان بينهم وبين مكارم الأخلاق وحشة وجفاء! أي أنهم كانوا نهبا للخوف والطمعô إلى حد انتهى بتنفير الناس من الدين.
ذلك أن الدين الحق ليس بالوعظ وإنما بالقدوة. لقد انتشر الإسلام في بعض آسيا وكامل غرب إفريقيا بفضل مكارم الأخلاق. أي بواسطة قوافل تجار خبر أهالي تلك الربوع صدقهم وأمانتهم. لم تكن غاية هؤلاء نشر الدين، بل التجارة. ولكن تحليهم بالفضائل هو الذي حبّب دينهم إلى أمم كثيرة (وهذا أحد مرامي الحديث الشريف: 'بشروا ولا تنفروا'). أما اليوم فإن بعض 'التدين' لم يأت ليتمّم، بل ليهدّم، مكارم الأخلاق! وليس أدل على ذلك من تكاثر الفايسبوكيين الذين لا جامع بينهم سوى أن 'النهضة كرّهتهم في الدين'!
ولهذا وجب التذكير أن الإسلام دين كوني لا يصح أن يدرك من زاوية أن بعض 'المتدينين' هم أقل خلق الله جدارة بدين الله! كما وجب القول إن حكومة النهضة، بنأيها بالنفس عن مشاركة شعبها احتفالاته بعيد الاستقلال، قد تفردت دون جميع حكومات التاريخ المعاصر بارتكاب خطأ محير مبطل للعرف والمعروف. حكومة في خصومة مع الذاكرة الوطنية. أتت يوم 20 آذار (مارس) منكرا سياسيا وثقافيا يؤكد مدى غربتها عن شعبها وغرابتها عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق