Google+ Followers

الجمعة، 26 أبريل، 2013

زيارة الدكتور محمد الفهري شلبي في سجن المرناقية - حكيم باللطيفة صحفي فرانس 24


لأول مرة أزور سجينا.. إحساس غريب.. سيء للغاية.. مؤلم كثيرا.. تُلطّفه رغبتي الملحّة في الاطمئنان على أحوال الرجل..  أفكر طيلة الطريق المؤدية إلى سجن المرناقية وأنا في السيارة في الحريّة كقيمة .. كحالة.. كوضع.. كحرمان.. أفكر في أنّ لا أحد بمأمن من سيناريو مماثل.. أفكر في حملة مؤازرته التي كانت عفوية وتلقائية.. وجمّعت المئات من طلبته وزملائه وعائلته.. أفكر في قيمة الرجل الذي عرفني طالبا مجتهدا في معهد الصحافة وكنت له صديقا مقربّا وأخا..

أفكر في قيمته العلمية والمهنية والانسانية العالية.. أفكر في أخلاقه ومبادئه التي لم يحد عنها .. في سمعته الناصعةِ البياض  التي استفاد منها النظام السابق أيّما استفادة.. ولم يستفد منها هو بأيّ شكل من الأشكال.. بل أفقدته الكثير.. من ذاته .. وأساءت دون وجه حق لصفاته.. أفقدته أياما من عمره خلف القضبان وأكسبته ألم فراق الأهل والأحبة وقاعات الدروس والطلبة والمساس بالسمعة.. تهمته  الوحيدة أنه لم يستعرض عضلاته أمام نظام فاسد ولم يقل كلمة :"لا" فجاء الأمر بكل البلاء..  اجتهد في آداء مهامه قدر استطاعته وتعرض إلى العديد من التهديدات و المضايقات لضبط كثير من الانفلات عندما كان مديرا عاما للتلفزة الوطنية..

لم أتوقع أن يكون سجن المرناقية  كبيرا بذلك الشكل .. تحسّست طريقي بصعوبة إلى البوابة الرئيسة للسجن.. بعد أن تأكدت من مجموعة الكتب التي أحملها إليه ورجائي كبير في أن لا يضطرّه تأخر الإفراج عنه إلى قراءتها كلها .. بضع دقائق بعدها وجدت نفسي في غرفة واسعة نسبيا.. هي غرفة الزيارات الجماعية المباشرة بمعنى دون حاجز.. لم ينسني ثقلَ المكانِ إلاّ تعاملُ أعوان السجن الحضاري جدا مع المساجين وزوّارهم.. ربع ساعة من الانتظار مرت دقائقها طويلة.. ودون أن أنتبه دخل الرجل القاعة.. حينها أدركت أن السجن نال منه.. 

بضعة أشهر فقط غيّرت مظهره وشكله وبدا لي فجأة أنه تقدّم في السن عشر سنوات كاملة.. رسمت على شفاهي ابتسامة مزيفة.. عريضة.. عصبية..تُـغالب تأثري وحاولت بروح مرحة مفتعلة أن أسأله عن أحواله .. فتنهد مطوّلا.. ووجدتِ الدموعُ طريقها إلى عينيه .. فغالبها.. شكرني على المجيء وأثنى على كل من فكّر فيه.. وكل من امتدح خصاله ووقف أمام وزارة العدل وقفة دعم له تلفت أنظار الخاصة والعامة إلى وضعيته.. 

تحدثنا في كل شيء.. أكثر من نصف ساعة .. رأيته -رغم اختلاط الأحاسيس بعضها ببعض وارتطامها على صخور الأفكار الأكثر سوداوية- على ثقة عالية في نزاهة القضاء وكنا متفقين في التمسك بالأمل وفي القول إن مكانه في الجامعة وليس في السجن وإن الوضع الطبيعي يقتضي أن يُحاكم في حالة سراح بالنظر لتعاونه الكامل خلال التحقيقات في "قضية كاكتوس" وبالنظر لما قدّمه لأجيال كثيرة من الطلبة سنوات طويلة عُرف خلالها بنزاهته وجديته وأخلاقه..  هذا في الحين الذي مازال فيه محاميه يُردّد أن تواصل إيقاف مديري التلفزة ومن بينهم الدكتور شلبي كان لتغطية الخلل في تنفيذ قرار محكمة التعقيب بحق سامي الفهري.

انتهى اللقاء.. ودّعني وودّعته دون أن تلتقي نظراتنا.. خشي أن ألحظ التأثر الشديد الذي اجتاحه واحترمت خياره.. تمالكت بدوري نفسي خشية أن أزيد آلامه.. قلت له إن الزيارة المقبلة ستكون في بيته إن شاء الله.. فرد قائلا :"ونعم بالله... "

خرجت مثلما دخلت .. ولكني تركتُ الكثير منّي في ذلك السجن.. الكثير الكثير.. تركت !!!! 




هناك تعليق واحد: