Google+ Followers

الأربعاء، 17 أبريل 2013

الإسكندرية الثائرة من دون ضجيج أنا الشعب ماشي وعارف طريقي

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=2439&articleId=1412&ChannelId=58709&Author=%D9%83%D8%A7%D8%B1%D9%88%

كارول كرباج
بعيداً عن مركزية الصراع في ميدان التحرير أو الميادين المستحدثة، كقصر الاتحادية ومكاتب «الإرشاد»، يبدو مشهد الحراك السياسي في المدينة التي انتفضت باكراً ضد التعذيب، الإسكندرية، مختلفاً بعض الشيء.
بعيداً عن الأضواء، يعمد العديد هنا إلى «حرب المواقع»، أي النضال كل من موقعه، في المصنع والجامعة وحي السكن. نشطاء من دون ادعاءات، يمارسون «نضالهم» من دون ضجيج. هنا، محامون حقوقيون ونشطاء يمضون يومياتهم أمام المحاكم دعماً للمعتقلين ظلماً، من نشطاء ونقابيين. هنا، طلاب ينظمون أنفسهم ويمارسون العمل السياسي من داخل الجامعة. هنا، عمالٌ يؤسسون نقاباتهم المستقلة وينظمون الإضرابات والاعتصامات داخل مصانعهم وأماكن عملهم. هنا، غالبية المظاهرات والوقفات الاحتجاجية تنظّم في المناطق الفقيرة والشعبية. هنا، يدفع كثيرون ثمن نضالاتهم اليومية، اعتقالات واعتداءات بالجملة.

«كيف العتمة في الزنزانة؟»

«حسن مصطفى يا أخانا»، تهتف المحامية والناشطة السياسية ماهينور المصري، مناديةً رفيقها في النضال، خلال وقفة احتجاجية، في شارع أبو قير في الإسكندرية الشهر الماضي. فتسألهم وهي تصفق بسخط «كيف العتمة في الزنزانة، كيف السجن والسجانة؟».
عرفت ماهينور عتمة السجون في عهد حسني مبارك، كما في عهد محمد مرسي، فأمضت ليلةً الشهر الفائت في «سجن برج العرب» مع 12 ناشطاً، من بينهم محامون حقوقيون تم اعتقالهم خلال وقفة تضامنية مع رفاقهم المعتقلين، أمام قسم الرمل أول في الإسكندرية. في وقفة التضامن أيضاً، اعتدت عناصر الأمن على الناشطة السياسية رنوة يوسف بالضرب والسحل، خلال محاولتها منعهم من القبض على زوجها الصحافي يوسف شعبان.
«اكتب على حيطة الزنزانة... حكم المرشد عار وخيانة»، الهتاف نفسه لا يزال يُسمع في جميع الاحتجاجات، مع تبديل كلمة «مبارك»، بـ«العسكر».. ومؤخراً بـ«المرشد». فقد تختلف طبيعة الشرعية التي يعتمدها النظام لتغطية ممارساته، لكن أدوات القمع والترهيب السياسي تبقى مشتركة، ومنها السجن.
مصر في عهد مرسي تعيش حالة أشبه بإطلاق النار على مشيّعين خلال الجنازات. معظم الاعتقالات تحصل خلال وقفات تضامنية مع معتقلين آخرين. فقد ألقي القبض على الناشط السياسي حسن مصطفى حينما ذهب للتضامن مع مجموعة من القاصرين الذين تم القبض عليهم في ميدان التحرير في كانون الثاني الماضي، وحُكم عليه بالسجن سنتين.
أمضى أحمد (اسم مستعار) سبعة أشهر في السجن العسكري خلال حكم «المجلس العسكري»، وأُفرج عنه بعد وصول «الإخوان المسلمين» إلى الحكم.. وتدخل شقيقه «الإخواني» في القضية.
يحدثنا أحمد، وهو ناشط يساري، مطوّلاً عن مشهد الاعتقالات السياسية في الإسكندرية منذ انتخاب مرسي. «صحيح أن المحاكمات العسكرية للمدنيين التي كانت رائجة مع العسكر انخفضت بشكل ملحوظ، لكن الاعتقالات السياسية والقبض العشوائي مازالت مستمرة.. مقابل تبرئة رموز النظام السابق، كرئيس ديوان مبارك زكريا عزمي والأمين العام للحزب الوطني المنحل صفوت الشريف»، يصف المشهد الراهن. ويضيف: «نحن عمرنا ما شهدنا في عهد مبارك هذا المستوى من الانتهاكات اليومية، نحن في حالة اعتقال دائمة، تطال النشطاء والنقابيين.. والبسطاء كمان خلال حملات القبض العشوائي».
في هذه الفترة، تم استهداف الأطفال والقبض عليهم ضمن مجموعات، كحالة محمد صابر (11 سنة) وعمر هاشم (14 سنة) في 20 كانون الثاني الماضي.
كما توقف أحمد عند الاعتداءات الجسدية التي تتعرض لها أحياناً أمهات المعتقلين أمام المحاكم، كذلك إجراءات منع دخول الأدوية للمتهمين. «توفي حسن شعبان في الثالث عشر من شباط الماضي بسبب منع إدخال أدويته، وكان يعاني من مشاكل صحية مزمنة، بتواطؤ من النيابة والداخلية»، يقول بانفعال، علماً بأن «الإخوان المسلمين» فقدوا شهيداً اسمه أحمد الزهيري، توفي في العام 2006 في عهد مبارك نتيجة منع إدخال أدويته إلى السجن.
إلا أن حملات الاعتقال الأشرس تستهدف حالياً النقابيين والعمال المضربين عن العمل للمطالبة بتثبيتهم في العمل وزيادة أجورهم.
وخلال شهر واحد تم القبض على ثمانية عشر عاملاً في مصنع «الإسكندرية للإسمنت بورتلاند» وعلى ثمانية عشر آخرين في شركة «الإسكندرية للأسمدة». «لم يحصل في عهد مبارك أن اقتحمت الداخلية مصنعاً بكلابها البوليسية واعتدت على العمال وقبضت على قياداتهم، كما حصل في مصنع «بورتلاند» الذي أصيب عدد من العمال فيه بجروح بالغة»، يؤكد أحمد باستياء وهو يحرّك يديه للتعبير عن موقف حاسم: «لم يتغيّر النظام، قوى الأمن ما زالت تتصرف من دون أي محاسبة».
حسن مصطفى وماهينور المصري كانا من أوائل النشطاء الذين ساهموا بكشف وقائع تعذيب وقتل خالد سعيد، يلفت أحمد. حادثة التعذيب تلك حرّكت الشارع في الإسكندرية، لأشهر قبل اندلاع الثورة. نظموا وقفات صامتة باللباس الأسود على كورنيش الإسكندرية، انضم إليها مجموعة من الشباب غير المسيّس في حينها، بالإضافة إلى تظاهرات أعنف أمام قسم سيدي جابر. لا الممارسات توقفت، ولا التظاهرات المنددة لها. الفارق الوحيد أن رقعة الاحتجاج اتسعت في السنتين الماضيتين.. ومعها الإحباط السياسي على ما يبدو.

دائرة مغلقة

شهدت الفترة السابقة في مصر، وفي الإسكندرية تحديداً، زخماً سياسياً لا سابق له، إلا أنه أشبه بـ«المراوحة في المكان نفسه». في الواقع، حالة «الاعتقال الدائمة» تستنزف جهود النشطاء وتمنعهم من القيام بحملات تضامن وزيارة المعتقلين وملاحقة باقي القضايا.
تستيقظ ماهينور يومياً، تحمل حقيبتها وتنطلق باتجاه «محكمة جنح المنشية» في الإسكندرية مع مجموعة من النشطاء. يحاولون الحصول على أسماء المعتقلين، توكيل المحامين، التضامن مع أسرهم، وجمع المال لتأمين الإعاشة للبعض والكفالات المالية للبعض الآخر. زياراتهم اليومية للمحاكم في الإسكندرية تشبه إلى حدّ بعيد ذهاب البعض إلى ميدان التحرير في القاهرة. «نحن بصراحة أصبحنا نعمل سياسة بشكل روتيني، بغض النظر عن المردود السياسي. نستنزف أنفسنا، وهذا محبط لا شكّ، ومع الوقت يُفقد معنى الثورة»، وفق ماهينور.
مسألة الإحباط يمكن تفسيرها جزئياً بخسارة معارك متتالية، أو عدم إستكمالها. لكن، «الأخطر من فشل المعارك هي مسألة غياب البديل السياسي»، تعتقد المحامية الشابة. وتتابع: «نحن نُجرّ إلى معارك جانبية فُرضت علينا: من معركة الاستفتاء، إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية، فالإعلان الدستوري والدستور». معاركٌ جميعها خاسرة لمجموعات ضعيفة. معارك لا تسمح بالمراكمة تنظيمياً ورصّ الصفوف، من خلال لجان الأحياء الشعبية والنقابات «المستقلة» والأحزاب.
«الناس كانت تنظر إلى الهتافات الثورية بكثير من الأمل، تشعر حالياً أنها في دائرة مقفولة»، تأسف ماهينور وهي تحدثنا عن عامل التقت به أمام المحكمة، قال لها: «طيب انا انتخبت مرسي عشان أسقط مرشح الفلول، وايه اللي حصل بقى؟ ما فيش حاجة حتتغير، البلد حيفضل كده». تعلّق على كلامه، قائلةً «مؤلم فعلاً أن تسمع هذا الكلام يومياً من بسطاء لا ذنب لهم! دفعوا ثمناً باهظاً في السنتين الماضيتين، من دون أن يلمسوا أي تغيير. الناس بدأت تفقد الثقة».
الدائرة المغلقة التي يتحدث عنها عدد من النشطاء، يمكن التقاطها في وجوه المارة في الإسكندرية وعلى ألسنة الناس في المواصلات العامة والشوارع وعلى جدران كورنيش الإسكندرية التي خُط عليها «عصيان مدني»، من دون أن يحصل شيء. تعترف ماهينور بالمشهد السياسي القاتم، لكن بنبرة التفاؤل نفسها التي كانت تتحدث بها قبل سقوط الرئيس مبارك: «نحن في دائرة مقفولة، لكن ليس لدي أدنى شك أننا قادرون على الخروج منها. الثورة ستنتصر». تصمت قليلاً، وتضيف: «لكن خوفي الوحيد أن نتحوّل مع الوقت.. ونفقد إنسانيتنا. الناس على المستوى الإنساني أصبحت مرهقة».
تنظر ماهينور إلى الفترة الراهنة بعيون نقدية، متوقفةً عند الممارسات الإنتقامية التي سادت عقب أحداث «قصر الإتحادية»، التي بالنسبة إليها، «ليس بالضرورة أن تصبّ في خانة بناء مجتمع أفضل». تشدّد على أهمية تواصل القوى السياسية المعارضة مع الشباب المراهق الذي يفتقد التجربة السياسية، لتأطير غضبهم وعدم تركهم لمصيرهم في الاشتباكات الدموية. «الشباب المستقل الذي نقوم بالتشبيك معه سيغيّر مع الوقت منهجيته من العنف من أجل العنف، إلى تحديد الأهداف السياسية». فالفجوة تتسع بين مجموعات شبابية يتم استخدامها في المعارك الميدانية، وبين عدد من النشطاء المحبطين سياسياً، وبين الشخصيات المعارضة المتصلة بـ«جبهة الإنقاذ». لا تزال الفروقات شاسعة في الخندق «المعارض»، بين من هم في أسفل الهرم اجتماعياً وسياسياً، ومن هم أعلاه.
لكن خلف هذا المشهد، يوجد محاولات لرص الصفوف النقابية والطلابية، والربط بين مختلف النضالات، يمكن التعويل عليها على المدى البعيد، للخروج من الدائرة تلك.

«حرب المواقع»

لا تخاض الثورة على جبهة واحدة، بل على عدة مواقع ومستويات. وإن كانت «الجبهة السياسية» في مصر مُحبطة للقوى المدنية والثورية، هناك معارك يخوضها الثوار «على الهادئ»، كل من مكانه. فالإنتقال من «ردة الفعل» سياسياً إلى «الفعل» نقابياً وطلابياً بدأ يثمر ويعطي دفعاً معنوياً للجبهات الأخرى.
في هذا الإطار، أذهلت نتائج انتخابات اتحادات الطلبة في جامعات مصر الجميع، حتى الطلبة أنفسهم: خسارة فادحة لطلاب «الإخوان المسلمين» والقوائم الطلابية المتحالفة معهم، مقابل انتصار واسع لطلاب القوى المدنية والثورية. ما اعتبر دفعاً معنوياً كبيراً من داخل الجامعات إلى الثوار المُحبطين خارجها.
يفسّر حكيم عبد النعيم، عضو اتحاد في كلية الآداب في جامعة الإسكندرية، المدّ اليساري الطلابي بحرية ممارسة العمل السياسي داخل الجامعات بعد قيام الثورة من جهة، وبانسحاب الإخوان من المشهد الاحتجاجي داخل الجامعات من جهة أخرى. ويقارن حكيم الخريطة الطلابية على ضوء سقوط مبارك: «قبل الثورة، لم يكن هناك حركة طلابية قوية، لكن البارز فيها كان طلاب الإخوان. بعد الثورة، تراجعت شعبيتهم داخل الجامعات بعد وصول حزبهم إلى السلطة». فاستطاعت القوى الثورية في السنتين الماضيتين أن تمارس العمل السياسي على نطاق واسع، إن كان بخروج تظاهرات من الجامعات أو بتنظيم فعاليات احتجاجية داخل حرمها.
وفرة التجارب السياسية أنتجت كوادر ثورية داخل الجامعات تتحدث باسم الطلبة، غير كوادر الإخوان التقليدية. «على مدى سنتين، كانت الطلاب بتحاول وبتجرب.. ولا تخوض الإنتخابات». استطاعوا بلورة خطاب يمزج بين مصالح وحقوق الطلبة، بالنضالات الأخرى. «نحاول دمج المعارك. هذا هو الخطاب الثوري الذي نتبناه. نطالب بحق الطالب بالرعاية الصحية، ومجانية التعليم، والخدمات الطلابية، إلى جانب معارك الحقوق والحريات العامة»، يؤكد حكيم.
اتساع العمل السياسي على مدى سنتين دفع بالطلاب «الثوريين» إلى خوض الانتخابات للمرة الأولى بعد سقوط مبارك. خاضوها من القاعدة، باختيار اللوائح الطلابية وتحديد التحالفات السياسية وبلورة البرامج. رغم ذلك، يبدو أن انتصارهم لم يؤدّ بهم إلى النشوة. «كسب اتحادات الطلبة أن العمل التنظيمي يعطي نتائج»، يستخلص حكيم مشبهاً الانتصار بـ«الضوء الأحمر: هنا مكان للعمل!». فالوصول إلى الاتحادات ليس هدفاً بحدّ ذاته.
كذلك، اتساع رقعة النقابات «المستقلة»، رغم الثغرات والإخفاقات، يمكن التعويل عليه على المدى البعيد. يبقى أن مسار دمج النضالات، على المستويين الفكري والتنظيمي، هو ما سيحدّد وزن القوى المدنية والثورية. أما الإحباط، فهو مرحلة لا بدّ منها في المخاض الثوري. يسأل حكيم بتهكم «من امتى السلطة بطبطب على الناس؟ السلطة أقوى وأكثر تنظيماً، ونحن غير منظمين». وتعبّر ماهينور: «لا املك رفاهية اليأس أو الإحباط حين أتذكر الشباب الذي دفع ثمن حياته. علينا كنشطاء أن نستحمل الإحباطات، نحاول ان نحافظ على إنسانيتنا ونعمل على خلق بدائل حقيقية للنظام، لا بتغيير الأشخاص فحسب».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق