Google+ Followers

الأحد، 28 أبريل، 2013

روبرت فيسك من داخل سوريا: قد يكون قتالهم من أجل سوريا، لا من أجل الأسد - النص الكامل ترجمة فريق الحقيقة السورية



تتدلى السحب فوق جبهة الجيش السوري على أعلى جبال شمال سوريا. احتل المطر مكان الثلج، محولاً هذا الحصن المنيع إلى مستنقع من الطين يتمترس بينها الجنود والرياح تضرب وجوههم، وإلى جانبهم دبابات من خمسينات القرن الماضي. أقول للكولونيل محمد “إنها دبابة خردة”، فيبتسم لي، ويقول، لا نستخدمها إلا للدفاع المكاني، ولا نحركها من مكانها.

قبل الحرب، أو الأزمة كما يقول عنها جنود الرئيس بشار الأسد، كان جبل الكوانيه محطة بث تلفزيوني، ولكن عندما وصلت إليه المجموعات المتمردة، قامت بنسف أبراج البث وقطع غابات الأشجار المحيطة ومن ثم بناء حواجز لحمايتهم من نيران الجيش. استعاد الجيش السوري الموقع في شهر تشرين الأول الماضي، من خلال قرية قسطل معاف، التي تقع الآن مدمرة على الطريق القديم المؤدي إلى الحدود التركية من خلال كسب.

أصبح اسم الجبل على مخططات الجيش “النقطة ٤٥”، بينما تقع النقطة ٤٠ على الجبال المجاورة، وتتوزع المجموعات العسكرية على التلال القريبة. أصعد إلى أعلى دبابة، وأستطيع أن أراهم على الرغم من المطر. يمكن سماع صوت تفجيرات بعيدة في الوادي، ويقول لي الكولونيل محمد أن بعض الغابات ما تزال في قبضة الأعداء، على بعد لا يزيد عن ثمانمائة متراً. لا يحرك الجندي الجالس في الدبابة عينيه عن الأشجار.

الجلوس مع جنود بشار الأسد هو تجربة يعتريها الكثير من الرهبة، فهم ، كما يظن العالم أجمع، أشرار النظام. من الواضح أن أحداً قد أخبرهم أن صحافياً أجنبياً سيأتي، وهم يطلبون مني أن أناديهم بأسمائهم الأولى مخافة أن تتعرض عائلاتهم للخطر. يسمحون لي بالتقاط كل الصور والمشاهد التي أرغب بها، ولكن دون أن أصور وجوههم، وهي القاعدة التي يلتزم بها المتمردون خشية التعرف عليهم كذلك، ولكن كافة الجنود والضباط الذين تحدثت إليهم، عرفوا عن أنفسهم بأسمائهم الكاملة وأروني هوياتهم وبطاقاتهم الشخصية، ومن بينهم من هو في رتبة عميد.

كان وصولي إلى الجيش السوري قبل عدة أشهر أمراً شبه مستحيل، والأسباب وراء ذلك كانت جلية. يؤمن الجيش اليوم أنهم ينتصرون على مقاتلي جبهة النصرة والقاعدة الإسلاميين. ومن النقطة ٤٥، لا يفل بينهم وبين الجبهة التركية سوى ميل ونصف، وهم عازمون على تقليص هذه المسافة. خارج دمشق، قاتل الجنود بشراسة ليصلوا إلى ضاحيتين كانتا في قبضة المتمردين. وبينما كنت أتجول في المواقع الموزعة على قمة الجبل، كان المتمردون يواجهون خطر خسارة مدينة القصير خارج حمص . أعاد الجيش افتتاح الطريق الرئيسي المودي من دمشق إلى اللاذقية. أما الفصائل التي رأيتها في النقطة ٤٥ فقد كانت من طبيعة مختلفة تماماً. يبدو جنود الجيش السوري، والقوات الخاصة تحديداً، واثقين، حاسمين، محفزين سياسياً، وهم بالفعل خطر يواجه أعاديهم. ثيابهم مرتبة، وأسلحتهم نظيفة ومستعدة. اعتاد السوريون على الادعاءات الإسرائيلية، التي يلحق بها صداها الأمريكي، أن القوات السورية تستخدم الأسلحة الكيمائية. وعلى هذا علق أحد الضباط في دمشق ساخراً “ولما نستخدم الكيميائي، إن كانت طائرات الميغ وقنابلها أكثر فاعلية؟”. اعترف الرجال في النقطة ٤٥ بحقيقة الانشقاقات، والخسائر الكبيرة التي تكبدها الجيش من شهداء ومصابين.
آخر شهداء النقطة ٤٥ أصابه قناص من المتمردين قبل أسبوعين. استشهد مجند القوات الخاصة كمال عبود البالغ من العمر ٢٢ عاماً، وهو بالأصل من حمص. تحدث الكولونيل محمد عن الجنود الذين كانوا في إجازات عند عائلاتهم، وقتلوا ذبحاً عند دخولهم إلى منطقة يسيطر عليها المتمردون. أذكر نفسي أن الأمم المتحدة بصدد توجيه تهم بجرائم الحرب ضد هذا الجيش، وأقول للكولونيل محمد، الذي أصيب بأربعة رصاصات في ذراعيه، أنه لا يقود جنوده من أجل تحرير مرتفعات الجولان، فإسرائيل إلى جنوب البلاد، وهو يقاتل شمالاً. لماذا؟

يجيبني “أعلم، ولكننا نقاتل إسرائيل من هنا. انضممت إلى الجيش كي أقاتل إسرائيل، وأنا اليوم أقاتل أدوات إسرائيل. وأدوات السعودية وقطر، وبقتالي هذا أقترب من الجولان. نحن اليوم في خضم مؤامرة، والغرب يساعد الإرهابيين الأجانب الذين وصلواً إلى سوريا، وهم نفسهم الذين تقاتلونهم في مالي.”
سمعت هذا الحديث من قبل بالطبع، فالمؤامرة تجلس إلى جانبي في كل الحوارات التي تخص الشأن السوري. ولكن الكولونيل يعترف أن الدبابتين اللتين تطلقان النار على النقطة ٤٥ كل صباح، كانتا في الأصل للجيش السوري، وأن أعداءه من بينهم رجال كانوا في يوم من الأيام جنوداً وضباطاً في الجيش السوري.

في الطريق إلى قسطل معاف، يخبرني جنرال أنه على الطريق المؤدي إلى الحدود التركية، تمكن الجيش من قتل عشرة سعوديين ومصريين وتونسي. لم أر أية أوراق تثبت هذا الأمر، ولكن الجنود في النقطة ٤٥ أبرزوا لي ثلاثة أجهزة تواصل حصلوا عليها من الأعداء، وهي تحمل إرشادات باللغة التركية. أسألهم إن كانوا يستمعون لخصومهم، ويردون بأنهم يستمعون فعلياً، ولكنهم لا يفهمون شيئاً، فهم يتحدثون التركية التي لا يفهمونها. وأسألهم هل هم إذاً أتراك أم من تركمان سوريا من القرى الشرقية؟ لا يعرف الجنود الإجابة. يقولون أيضاً أنهم قد سمعوا أصواتاً عربية بلهجات ليبية ويمنية، وبما أن الناتو طيب القلب مهووس حالياً بحالة “الجهاديين الأجانب” في سوريا، أعتقد أن ما يقوله الجنود لي حقيقي.

تخبئ طرقات الريف الشمالي الجميلة عنف المعارك. تخبئ الورود الحمراء والبيضاء جدران البيوت المهجورة. يعمل بضعة رجال في بساتين البرتقال التي تحيط بنا، وتمشط امرأة شعرها على سطح منزلها. تلمع بحيرة بلوران تحت أشعة الشمس الربيعية. يذكرني المشهد بالبوسنة. ما تزال القرى المجاروة، على مدى عدة أميال حولنا، مأهولة. قرية صغيرة مسيحية، ومن ثم قرية علوية، وبعدها قرية للسنة قريبة من خطوط الجبهة ولكنها ما تزال قائمة. قرى تشهد بوجود عالم علماني غير طائفي، وهو ما يعد به طرفا النزاع السوري.

وأصل إلى قرية مدمرة اسمها بيت فارس، حيث يمكن لي رؤية مئات الجنود السوريين يرومون الغابات المجاورة، وهناك أقابل جنرالاً آخر يريني على جهاز هاتفه العسكري النقال صوراً لمقاتلين قتلى، يقول لي “كلهم أغراب.” أراقب العدسة وهي تقترب من وجوه ملتحية، بعضها تظهر عليه معالم الخوف، ووجوه أخرى في سبات الموت العميق. على الجدار خلف الجثث، كتب أحدهم “نحن جنود الأسد سنبيدكم يا كلاب جبل الأسود وبيت شروق.” إنها أسماء قرى صغيرة ما تزال في قبضة المتمردين. يمكننا رؤية أسطح منازل هذه القرى من النقطة ٤٥. يعدد لي الكولونيل محمد أسماء القرى الأخرى: خضرة، جبل سودة، زهية، الكبير، رابعة.... قرى تنتظر مصيرها. أسأل الجنود عن عدد الأسرى، ويقولون لي “لا أحد”. أقول لهم “ماذا، لا أحد”. يردون بصوت عالي “سبعمائة قتيل إرهابي في معركة واحدة، لم يبق أحد.”
بالقرب من مبنى مدرسة مليئ بالفجوات التي سببتها الرصاصات، أرى بيتاً مهدماً، يقول لي الكولونيل “قتل هناك قائد إرهابي مع كل رجاله، لقد رفضوا الاستسلام.”

لا أعلم إن كانوا قد فكروا فعلياً في إمكانية الاستسلام. ولك، في بيت فارس، تمكن عدد من المتمردين من الهروب هذا العام، مع قائدهم المحلي، وهو رجل أعمال سوري، حسب ما نقله لي الجنرال واصف. نقف وسط ما تبقى من منزل الرجل في هذه القرية التركمانية التي هجرها أهلها إلى مخيمات اللجوء التركية. يقول لي الجنرال أن رجل الأعمال كان ثرياً بالفعل. تحيط بالمنزل بساتين الليمون والفستق والتين. وهناك ملعب لكرة السلة، وبركة سباحة فارغة ومراجيح أطفال ونافورة مكسورة في جوفها عبوات محطمة من ورق العنب المحشي، وألاحظ أنها من صناعة تركية.

أقطف أنا والجنود حبات تين من بستان المنزل، ولكنها ما تزال غير ناضجة. يلتفت الجنود إلى البرتقال المتدلي على الطريق. يتحدث الجنرال فواز إلى زميل له ويرفع بقايا صاروخ لفحصه. إنه صاروخ مصنع محلياً، يشابه إلى حد ما صواريخ القسام التي تطلقها حركة حماس الفلسطينية ضد إسرائيل من قطاع غزة. يقول الجنرال فواز “لا بد أن أحداً من الفصائل الفلسطينية قد علم الإرهابيين كيفية تصنيع هذه الصواريخ”، ويعلق الكولونيل محمد بهدوء أنه عند اقتحام الجيش للقرية، وجدواً سيارات وشاحنات تحمل أرقاماً تركية، ولكن لا وجود لأي جنود أتراك.

أشعر بعلاقة غريبة مع تركيا في هذا المان. قد يدين رجب طيب إردوغان الأسد، ولكن المعبر الحدودي القريب ما يزال مفتوحاً، وهو المعبر الوحيد الذي ما يزال يربط تركيا بالأراضي التي تسيطر عليها الحكومة السورية. يروي لي أحد الضباط قصة قديمة عن الخليفة الأموي معاوية الذي كان يبقي على شعرة رفيعة تربطه بأعدائه، وهذا المعبر هو أشبه بشعرة معاوية. لا يبتسم الضابط وهو يروي لي القصة، وأنا أدرك تماماً ما يقصده. يريد الأتراك المحافظة على رابط مع نظام الأسد، فإردوغان ليس متأكداً من أن الأسد سيخسر هذه المعركة.

يستعرض الجنود إصاباتهم وجراحهم أمامي، وأشعر أنها أكثر قيمة بالنسبة لهم من أية ميداليات أو مناصب. أما الضباط، فهم يتواجدون على خطوط القتال دون إبراز أي دليل على رتبهم العسكرية لكي لا يتمكن قناصة المتمردين من التعرف عليهم في الصباح الباكر، فالفجر هو الوقت الأمثل على ما يبدو للقتل.

يريني ضابط جراحه. دخلت رصاصة من أسفل أذنه اليسرى، وعلى الجانب الآخر من وجهه، هناك جرح بشع بالقرب من أذنه اليمنى. لقد تم إطلاق النار عليه واخترقت الرصاصة عنقه، ولكنه نجا. كان الحظ حليفه، كما كان حليفاً لجنود القوات الخاصة الذين سلموا من لغم أرضي. يريني أحد ضباط اللغمين الذين كانا مدفونين أسفل الطريق، أحدهما أثقل من أن أتمكن من حمله، والأسلاك تركية الصنع. يقول لي “كل أجهزتنا روسية، وقد تمكنا والحمدلله من إبلاغ الكتيبة بوجود المتفجرات قبل وصولها.”

ومع ذلك، يحيط الموت بالجيش السوري، تماماً كما يفعل مع أعدائه. مطار اللاذقية هو اليوم موقع يومي للنحيب والعويل. أصل إلى هناك لأجد عائلات تبكي من فقدت، وهي تقف بانتظار وصول جثامين أبناء وإخوان وأزواج، أكثرهم مسيحيون ولكن هناك مسلمون أيضاً، فالساحل السوري يعج بالمسيحيين والعلويين، مع وجود قليل للمسلمين السنة. يمسك رجل مسن بامرأة مسيحية وهي تحاول الاستلقاء على الأرض والدموع تغطي وجهها، وهناك شاحنة مغطاة بأكاليل الورد بالقرب من مدخل المطار.

أتحدث إلى الجنرال المسؤول عن عائلات الشهداء أن المطار أصغر بكثير من أن يتحمل هذا الحداد المستمر “تحمل الطائرات المروحية جثامين شهدائنا من شمال سوريا، وعلينا الاعتناء بكل هذه العائلات. أحياناً أذهب إلى منزل عائلة لأبلغها باستشهاد ابنها، لأجد أن ثلاثة من إخوته قد سبقوه إلى الشهادة. هذا يفوق الوصف والقدرة على التحمل.”.

رأيت إحصائيات عسكرية تبين أن أكثر من ١٩٠٠ عسكرياً من اللاذقية قد استشهدوا في هذه الحرب البشعة، و١٥٠٠ من طرطوس. ولكن يجب علينا إضافة إحصائيات القرى العلوية والمسيحية الموجودة أعلى اللاذقية لكي نفهم مدى الخسارة الفردية. حيالين هي قرية من ألفي شخص، خسرت ٢٢ شاباً، و١٦ هم في عداد المفقودين. قتل الكثيرون في جسر الشغور في شهر حزيران من عام ٢٠١١ عندما خسر الجيش السوري ٨٩ جندياً وضابطاً في هجوم للمجموعات المسلحة . يروي لي قروي اسمه فؤاد أن ناجياً واحداً فقط عاد من تلك المجزرة، يروي لي “إنه من قرية مجاورة لنا، اتصلت به لأسأله عما حصل، فقال لي أنه لا يعلم، لأنه فقد عينيه على يدي المهاجمين. قال لي أن أحدهم اقتاده بعيداً وأنه ظن أنهم سيقومون بإعدامه ولكنه وجد نفسه في سيارة إسعاف نقلته إلى مستشفى في اللاذقية. أحد شهداء جسر الشغور وصل تابوته إلى حيالين وهو لا يحوي سوى ساقيه. أما آخر شهداء حيالين فقد استشهد قبل يومين فقط، كان جندياً اسمه علي حسن، وكان قد تزوج منذ فترة وجيزه. لم يستطيعوا حتى استرجاع جثمانه.”

يروي الجنود قصص التهديد التي تتعرض لها عائلاتهم باستمرار. يقول لي أحدهم أن المتمردين طلبوا من أخيه أن يأمرني بترك الجيش. وعندما رفضت ذلك، كسروا ساقي أخي. أسألهم إن كانت هذه القصص متكررة، فيأتون لي بشاب يبلغ من العمر ١٨ عاماً، ويترك الضباط الغرفة لكي يستطيع التحدث إلي براحة. تبدو عليه علامات الذكاء، وقصته بسيطة جداً. يقول “أنا من إدلب. طلبوا من أبي أن يعيدني، فهم بحاجتي هنا. قال لهم أبي إن كنتم تريدونه اذهبوا وأتوا به بأنفسكم، وإن عدتم به، فلن تجدوني هنا في استقباله. قام أبي بإرسال معظم أفراد العائلة إلى لبنان وبقي مع أمي هناك يتلقون التهديدات كل يوم.” أقول للضباط لاحقاً أنني لا أصدق أن كل المنشقين عن الجيش السوري فعلوا ذلك خوفاً من التهديدات، وأن بعضهم لا بد وأنه قد اختلف بشكل كبير مع النظام. يوافقون على ما أقوله ولكنهم يصرون على أن الجيش ما يزال متماسكاً وقوياً.
يمزج الكولونيل محمد بين الإستراتيجية العسكرية والسياسة، ويقول أنه يرى المخطط الأجنبي ضد سوريا كتكرار لاتفاقية سايكس بيكو التي تلت الحرب العالمية الأولى، عندما قررت بريطانيا وفرنسا، سراً، تقسيم الشرق الأوسط، وتقسيم سوريا نفسها فيما بينهما. ويقول الكولونيل “يريدون فعل ذلك مرة أخرى الآن، تريد بريطانيا وفرنسا توفير الأسلحة للإرهابيين لكي يتمكنوا من تقسيمنها، ولكننا لن نقبل سوى بسوريا موحدة نعيش فيها بأمان وسلام مهما كانت طوائفنا وأدياننا.” ويضيف” تحت قيادة سيادة الرئيس بشار الأسد.

ولكن الأمر ليس بتلك البساطة. فمن الصعب ذكر كلمة الديمقراطية واسم الأسد بسهولة. أعتقد أن جنود الجيش العربي السوري يقاتلون اليوم من أجل سوريا، لا من أجل الرئيس الأسد. ولكنهم رغم كل شيء، يقاتلون، وقد يكون النصر من نصيبهم في هذه الحرب التي لن يخرج منها منتصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق