Google+ Followers

الاثنين، 27 مايو، 2013

قياس المشاهدة والاستماع: من الفوضى إلى التنظيم



من المنتظر أن يشهد المجال الإعلامي السمعي البصري في تونس إنشاء العديد من القنوات الإذاعية والتلفزيونية. وتمثّل منظومة قياس المشاهدة والاستماع أو الجمهور(mesure d’audience) إحدى آليات الأساسية لتنظيم هذا المجال. والواقع أن قياس الجمهور شكّل مسألة مركزيّة منذ الحملة الإعلامية الشرسة التي شنّتها قناة حنبعل في أكتوبر 2006 على مكتب دراسات «اختص» في إصدار الإحصائيات حول مشاهدة القنوات التلفزيونية. وتعزّزت أهمّية هذه المسألة بعد أن احتجّت قناة نسمة في رمضان الماضي على الإحصائيات التي أصدرتها مكاتب الدراسات ذاته حول المسلسلات الرمضانية. ولجأت القناتان إلى طرق بديلة وطريفة للبرهنة على شعبية برامجها. فاعتمدت قناة حنبعل نوعا من الاستفتاء تمثّل في سبر مباشر لآراء المشاهدين فكانت النتيجة أنها أحرزت على لقب أكثر القنوات شعبية ! وسارت نسمة في الاتجاه ذاته فنظّمت استفتاءا على الإنترنات توّجها بالمرتبة الأولى !
إن الفكرة الرئيسية التي ندافع عنها هنا هي أن إشكالية قياس الجمهور في تونس لا تتعلّق بالطابع العلمي للمنهجيات التي تستخدمها مكاتب الدراسات المتخصّصة أو بنجاعتها، كما يعتقد البعض، ولكن بشرعيّة المؤسّسة التي تقيس الجمهور. فإذا نظرنا إلى ممارسة قياس الجمهور في تونس من زاوية المعايير العالمية فإن مكاتب الدراسات الحالية فاقدة للشرعية أصلا وذلك بقطع النظر عن الطابع العلمي للمنهجيات التي تستخدمها، لأن شروط الحياد والاستقلالية لا تتوفّران فيها.  فقياس الجمهور كما تبيّن كل التجارب العالمية في أوروبا والولايات المتحدة ليس نشاطا عاديا يمكن لأيّ مؤسّسة أن تمارسه بحريّة ودون شروط، إذ أنه نشاط مقنّن وفق آليات تنظيمية صارمة.
وبالرغم من رفض عديد القنوات التلفزيونية الصريح فإن مكاتب الدراسات لا تزال تواصل قياس مشاهدة البرامج دون تكليف ما من هذه القنوات أو من جهة مؤسّسية ما. كما تواصل هذه المكاتب التكّتم على المنهجيات التي تستخدمها وعلى العيّنات التي تعتمدها. ويمكن تفسير إصرار مكاتب الدراسات على إصدار الإحصائيات المتعلّقة بالجمهور، رغم الشكوك الجدّية العديدة حول مصداقيتها ونزاهتها، بالمكاسب المادية والرمزية التي تحقّقها بفضل هذا النشاط. فهي تقدّم نفسها على أنها خبيرة في مجال إستراتيجي بالنسبة إلى الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الإعلامية وفي المجالات المتصلة به. هكذا تستفيد بعض مكاتب الدراسات من حالة انعدام تنظيم قطاع قياس الجمهور. فهي لا تخضع لأي شكل من أشكال المراقبة للتحقّق من نزاهة الآليات المنهجية التي تستخدمها ومن موضوعيتها أو وجدّيتها. وفي المقابل فهي تعطي لنفسها دورا حاسما لتحكيم اللّعبة التنافسية بين القنوات التلفزيونية بالرغم من رفض هذه القنوات لها. وهي على هذه النحو كالحكم الذي طرده الفريقان المتنافسان فواصل تحكيم المباراة من المدارج........ لحسابه الخاصّ. فهذه المكاتب تستأثر بدور رئيس أعطته لنفسها دون تكليف ما من المجتمع التونسي أو من المؤسّسات الاقتصادية والإعلامية، مستفيدة بشكل طفيلي من نشاطات الآخرين.
إن قياس الجمهور، بما أنه عملية ذات أبعاد ثقافية واقتصادية مركزية، يبقى في تونس رهينة بعض مكاتب الدراسات الفاقدة لشروط الموضوعية والاستقلالية وفق المعايير العالمية.  فتنظيم قياس الجمهور يعني بالتالي تحرير هذا النشاط الأساسي، بالنسبة إلى المجتمع والمؤسّسات الاقتصادية والإعلامية، من لعبة المصالح الضيّقة لبعض مكاتب الدراسات التي استولت على نشاط اجتماعي وحوّلته إلى سلعة تبيعها وفق شروطها المعلومة أو الخفية. كما أن تنظيم قياس الجمهور يقتضي كذلك الارتقاء به إلى مستوى المعايير العالمية المتعارف عليها، بالرغم من إن بعض مكاتب الدراسات يحاول أن يجعل من تنظيم القطاع مهمّة مستحيلة بسبب ما تسمّيه “الخصوصية التونسية” التي تفترض انعدام  ثقافة التعاون لدى المؤسسات التلفزيونية والإذاعية واستحالة توافقها على آلية محايدة ومستقلة لإدارة التنافس بينها إضافة إلى الإدعاء بعدم قدرة للمؤسسات الإعلامية  على تحمّل التكاليف العالية لمنظومة القياس.

فوائد تنظيم قطاع قياس الجمهور في تونس


أوّلا، توفّر دراسات قياس الجمهور معطيات حول الاستهلاك الثقافي وتعكس ثقافة المجتمع وهي مؤشّر لاتجاهات الجمهور السياسية والثقافية التي تعكسها البرامج التي يستهلكها. كما تساهم دراسات قياس الجمهور في تحديد مبادئ البرمجة التلفزيونية.

ثانيا، إن إرساء قواعد معلومة ومتفق عليها لقياس الجمهور يحرّر القطاع من الإستراتيجيات المصلحيّة لبعض مكاتب الدراسات ويضفي على الإحصائيات التي تستعملها المؤسسات الإعلامية والاقتصادية والمؤسسات الثقافية والأوساط العلميّة الجدية الضرورية باعتبارها مؤشرا لنشاط اجتماعي مركزي.

ثالثا، يقوم «النموذج الاقتصادي» (modèle économique) للقنوات العمومية والخاصّة بشكل جزئي أو كلّي على الإشهار. ويعتمد  المستشهرون على المؤشرات الكمّية والكيفية التي توفّرها دراسات قياس الجمهور لتسعير الزمن الذي يشترونه لبث إشهارهم قبل أو أثناء أو بعد برنامج ما. وبمعنى آخر فإن مكاتب الدراسات تتحكّم بشكل مباشر في قيمة الخدمات التي تقدّمها القنوات وفي اقتصادها جزئيا أو كليا. وفي هذا الإطار فإن وضع منظومة تساهم في إدارتها المؤسسات الإعلامية يعطي لهذه المؤسسات القدرة على التحكّم في الآليات التي تقيس من خلالها نشاطها الاقتصادي وتسعّر بواسطتها الخدمات التي تسديها. وعلى هذا النحو فإن المؤسّسات الإعلامية تختار بنفسها الحكم الذي يدير لعبة التنافس على الإشهار.

رابعا، الارتقاء بقطاع قياس الجمهور إلى مستوى المعايير العالمية المتعارف عليها ممّا يساهم في تطوير القطاعات ذات الصلة (الإشهار والتسويق).

خامسا، ترشيد الإنفاق الإشهاري واستبعاد الأهواء والمعايير الذاتية، حتى لا يتحوّل الإشهار إلى هديّة يمنّ بها المستشهر على المؤسسة الإعلامية. فإحصائيات المشاهدة والاستماع ذات المصداقية أداة للتخطيط الإعلامي (media planning) الناجع الذي يقوم على البحث عن الوسيلة الإعلامية المناسبة حتى تتعرّض فئة الجمهور المستهدفة إلى الإشهار في الزمن المناسب والمكان المناسب.

أهمّ المعايير العالمية في مجال قياس الجمهور


تقوم التجارب العالمية الكبرى في مجال قياس الجمهور على المعايير التالية :

يمثل التنظيم الذاتي auto regulation)) الآلية المعتمدة لتنظيم قطاع قياس الجمهور،  إذ تتعاون الأطراف الرئيسية (القنوات الإذاعية والتلفزيونية الخاصّة والعمومية والمؤسسات الاقتصادية) لرسم الإطار العام لقياس الجمهور ووضع آلياته العملية. وتبين هذه التجارب أيضا أن الدولة يمكن أن تساعد هذه الأطراف على التعاون. فبالرغم من التقاليد الأمريكية الليبرالية الراسخة، أنشأ الكونغرس في بداية الستينات لجنة خاصّة عرفت بـHarris Committee Hearings on  Broadcast Ratings.” أوصت بضرورة تنظيم القطاع ومراقبة خدمات القياس

يعتبر إنشاء مؤسّسات مستقلّة تديرها القنوات الإذاعية والتلفزيونية والمؤسسات الاقتصادية الحلّ الأمثل المعتمد عالميا. ففي كندا أنشأت الجمعية الكندية للهيئات الإذاعية  والجمعية الكندية للإشهاريين مؤسّسة (Bureau of Broadcasting Measurement)  عام 1942 لقياس جمهور الإذاعة في مرحلة أولى ثم جمهور التلفزيون في مرحلة ثانية.  واعتمدت فرنسا النموذج ذاته حيث تقوم مؤسسة Médiamétrie  منذ 1995 بقياس جمهور التلفزيون والإذاعة (ثم توسّع نشاطها إلى السينما والإنترنت). أما بريطانيا فاعتمدت نموذجا مختلفا جزئيا إذ تتركّب منظومة قياس الجمهور من مؤسّستين منفصلتين واحدة للإذاعة (RAJAR)   وأخرى للتلفزيون(BARB)   يكلّفان، وفق نموذج المناولة، عدّة مكاتب دراسات متخصّصة بإنجاز مختلف عمليات قياس الجمهور.  وفي الولايات المتحدة الأمريكية يقوم “مجلس التصنيف الإعلامي ( (Media rating Council الذي أسّستة القنوات الإذاعية والتلفزيونية باعتماد (accreditation  ) مكاتب دراسات خاصّة لإنجاز قياس الجمهور. وتشمل مهمّة المجلس كذلك مراقبة عمل هذه المكاتب وفق نظام تدقيق Audit System  بواسطة مؤسّسات متخصّصة للتأكّد من تطبيقها للمعايير المنهجية والقواعد الأخلاقية التي تم بمقتضاها اعتمادها.

ومن الناحية المنهجية فإن مؤسّسات قياس جمهور الإذاعة والتلفزيون تعتمد بشكل عام على آليتين. تتمثل الآلية الأولى في ما يسمّى الدراسات المسحيّة enquête، إذ يدوّن المشاهدون أو المستمعون، أعضاء العينة، البرامج التي يستهلكونها في كرّاس خاص (Cahiers d’écoute)، ثم في مرحلة ثانية تخضع هذه المعطيات إلى معالجة معلوماتية دقيقة. أما الآليّة الثانية فهي تكنولوجية إذ اعتمدت Médiamétrie  على جهاز صغير يستخدمه المشاهد (أو المستمع) لتغيير القنوات ومرتبط بجهاز خاص يسمّى audimètres، ثم ظهرت في المدّة الأخيرة تكنولوجيا متطوّرة تتمثل في جهاز صغير (في حجم الهاتف الجوال)  يطلق عليه (Portable People Meter) يحمله المشاهد أو المستمع في البيت أو خارجه. ويلتقط هذا الجهاز إشارات غير مسموعة ترسلها القنوات الإذاعية والتلفزيونية  المنخرطة في منظومة القياس. وبهذه الطريقة  يسمح هذا الجهاز برصد كل القنوات الإذاعية أو التلفزيونية  التي يتعرّض لها المشاهد أو المستمع في كل مكان  ومن خلال أي وسيط (تلفزيون، كمبيوتر، إنترنت....)

بعض الحلول العملية لتنظيم قياس الجمهور في تونس


يتيح الاستئناس بالتجارب العالمية بلورة مقترحات عمليّة لتنظيم قطاع قياس الجمهور في تونس والتي تتمحور حول المبادئ الكبرى التالية :

التنظيم الذاتي الذي يقتضي تنظيم نشاط قياس الجمهور التعاون بين الأطراف المعنية أي القنوات التلفزيونية والإذاعية الخاصّة والعمومية والمستشهرين للبحث  من خلال الحوار والتوافق على آليّة عملية نزيهة وشفّافة وذات مصداقية وخاضعة للمسائلة تديرها بشكل مشترك. وتتجسّد هذه الآلية عادة حسب  التجارب العالمية في مؤسسة ذات صبغة تعاضدية.

دور الدولة الذي يبقى أساسيا في مجال قياس الجمهور وهو لا يتعارض مع التأكيد على أهمية التنظيم الذاتي، ذلك أن للدولة دور هام في تشجيع المؤسّسات الإعلامية على البحث عن حلول لتنظيم القطاع. ومن جهة ثانية فلا يجب أن ننسى أن الدولة، من خلال القنوات التلفزيونية والإذاعية العمومية، تمثّل طرفا معنيا بشكل مباشر بتنظيم قطاع قياس الجمهور. وفي هذا الإطار يمكن للهيئة الوطنية لإصلاح الإعلام والاتصال أن توصي بضرورة إنشاء مؤسّسة مهنية مشتركة للإشراف على دراسات قياس الجمهور.

دور المؤسسات الاقتصادية : يستوجب إرساء منظومة قياس الجمهور تعاون القنوات التلفزيونية مع المؤسّسات الاقتصادية ووكالات الإعلان حتى تحضي هذه المنظومة بقبول كل الأطراف. كما يسمح هذا التعاون بتقاسم تكلفة منظومة القياس لأن المؤسّسات الاقتصادية ستستفيد منها من خلال الحصول على إحصائيات نزيهة أنتجتها مؤسّسة مستقلة ومحايدة.  ونظرا لغياب إتّحاد المستشهرين كما هو الحال في الولايات المتحدة وأوروبا فإن الحلّ الأمثل يتمثّل هنا في دعوة إتحاد الصناعة والتجارة، الذي يمثل الفاعلين الاقتصاديين، إلى المساهمة في إنشاء منظومة قياس الجمهور.

منظومة قياس الجمهور : إضافة إلى هذه الأبعاد التنظيمية فإن عملية إحداث  المؤسسة  المسؤولة على قياس الجمهور  يمثل المرحلة الأصعب لأنها تقتضي اتفاق الأطراف حول تمويلها وإدارتها. وبالنظر إلى التجربة العالمية التي استعرضناها وخصوصية السياق التونسي فإن الحلّ الأمثل يتمثّل، حسب رأينا، في إنشاء مؤسّسة مشتركة تشرف عليها المؤسسات الإذاعية والتلفزية العمومية والخاصّة والإتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والغرفة النقابية الوطنية لوكالات الإشهار. ويتولى مجلس إدارة الإشراف المباشر على المؤسسة والموافقة على برامجها العلمية.

وفي مرحلة أولى يمكن استبعاد آليات القياس الآلي التي تستخدم تكنولوجيات مكلفة والاكتفاء بالمنهجيات التقليديّة المسحية. فالتجارب العالمية تبيّن أن العديد من مؤسّسات قياس الجمهور لا تعتمد دائما على التكنولوجيا الآلية. فمؤسّسة  BBM في كندا لا تزال تستخدم البريد لإرسال كرّاسات الاستماع لجمع البيانات والهاتف للاتصال بالعائلات المنتمية للعيّنة. ولا تستخدم مؤسّسة Médiamétrie أية تكنولوجيا لإنجاز قياس جمهور الإذاعة باستثناء الهاتف، وكذلك الشأن بالنسبة لمؤسّسة Rajar  البريطانية. تفنّد هذه الأمثلة وغيرها ما تدّعيه بعض مكاتب الدراسات من أن قياس الجمهور يقتضي تكنولوجيا مكلفة جدّا لا يمكن للمؤسّسات الإعلامية التونسية أن تتحملها.  ويمكن لمؤسّسة القياس أن لا تنشر بالضرورة تقارير يوميّة وأن تكتفي بتقارير دورية. وبالرغم من الشروط التي تقتضيها ومنها خاصة التوافق، فإن هذا الحلّ يتيح للقنوات الإذاعية والتلفزيونية مراقبة أداء المؤسسة بشكل مباشر مما يعزز مصداقية الإحصائيات التي تصدرها. كما يمكن تطوير آليات القياس والانتقال تدريجا من المنهجيات الكلاسيكية نحو التكنولوجيات الجديدة.

وإذا لم تتوصّل المؤسّسات الإعلامية إلى اتفاق حول إنشاء هذه المؤسسة المشتركة يمكن اعتماد منظومة بديلة أقل تعقيدا وتكلفة، إذ يمكن للهيئة التي ستشرف على القطاع السمعي البصري أن تقوم بطلب عروض لإنجاز دراسات قياس الجمهور وأن تتكفّل بتمويل دراسات القياس.  كما تحدّد هذه الهيئة بشكل دقيق مهامّ مكتب الدراسات وآليات مراقبة عمله والمنهجيات المستخدمة والعينة المعتمدة والبرامج الخاضعة للقياس ودوريّة الإحصائيات (أسبوعيا أو شهريا). وإذا كان هذا السيناريو الثاني مرنا في تنفيذه وغير مكلف إلّا إنه  يسند إلى أطراف خارجية عملية القياس ممّا قد يؤثّر على قبول المؤسّسات الإعلامية بنتائج الدراسات.  

وفي كلتا الحالين فإن قياس الجمهور أضحى شرطا أساسيا  لترشيد السوق الإشهارية من جهة ولتنظيم التنافس بين القنوات الإذاعية والتلفزيونية. كما يضع تنظيم قياس الجمهور تونس (مع المغرب) في صدارة البلدان العربية في هذا المجال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق