Google+ Followers

الخميس، 16 مايو، 2013

حمادي الجبالي لـ «الشرق الأوسط»: لا حوار مع حامل السلاح.. والرئاسة نقطة قوتي وضعفي


أكسفورد: نادية التركي
اعتبر حمادي الجبالي الأمين العام لحركة النهضة التونسية لـ«الشرق الأوسط» أن ما قامت به جماعات «الجهادية السلفية» في جبال الشعانبي نقلة نوعية في الحياة السياسية التونسية وفي المجتمع التونسي. وأضاف أن «لا حوار ولا نقاش مع حامل السلاح».
وحول الوضع السياسي في تونس قال الجبالي إنه على الأحزاب في تونس أن تدرك أن المرحلة المقبلة هي مرحلة وفاق.

وحول ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة، قال الجبالي إنه لم يقرر بعد.. وإن الرئاسة «نقطة قوة وضعف» بالنسبة له وأوضح: «نقطة قوتي أنني لا ألهث ولا أجري وراء هذا المنصب بل ربما أتحاشاه.. ونقطة الضعف أنه لا بد لكل مسؤول من أن يمسك بقوة، وما يحركني بالأساس أنه إذا كان هذا الموقع ابتلاء فلا بد منه لصالح البلاد».

«الشرق الأوسط» التقت الأمين العام لـ«النهضة» في مدينة أكسفورد البريطانية على هامش زيارة يقوم بها للمملكة المتحدة، وكان لنا معه حوار هذا نصه:

* هذه الزيارة للمملكة المتحدة لماذا الآن وفي أي إطار تندرج؟

- في خطاب القصبة وعند تسليم رئاسة الحكومة لعلي العريض رئيس الحكومة الحالي، وعدت الشعب التونسي والتزمت بأن أكون في خدمة الدولة وهذه الحكومة وخدمة تونس، لصورتها في الخارج خاصة، وذلك في رجال السياسة ورجال الاستثمار ورجال الأعمال، من أجل إنجاح النقلة والمرحلة الانتقالية الديمقراطية وهذا هدف في حد ذاته، ولهذا سأتقابل مع سياسيين وإعلاميين ورجال أعمال ومستثمرين تونسيين وأجانب في بريطانيا. وما أسعى إليه الآن هو تكوين القيادات عبر مشروع كبير.

* ما هذا المشروع الذي أشرتم إليه؟

- المشروع هو فكرة بدأناها في الحكومة السابقة وعقدنا اتفاقيات مع دول البحر المتوسط في إطار دول الثانية لتمويل وتبني مشروع تكوين القيادات، ويكون مفتوحا لكل قيادات تونس بما في ذلك منظمات المجتمع المدني حتى نرتفع ويكون لنا جيل من القيادات السياسية والمدنية، يعيشون معا ويتكونون معا لنتمكن من إدارة المرحلة الانتقالية والدولة الديمقراطية بسهولة، ونبني شيئا فشيئا المؤسسات الديمقراطية.

والمشروع طموح جدا ونريد أن يكون مفتوحا على كل العالم، على كل التجارب، ونتمنى أن يتم تبنيه من كل الأطراف دون أي نوع من الهيمنة سواء على مستوى البرمجة أو التكوين أو على مستوى التمويل وهذا ما أسعى إليه شخصيا، وهذا ما أعتبره العمل في العمق من أجل تكوين جيل قيادي متفهم، منفتح، وصحيح لكل أفكاره ومعتقداته ومقاربته، لكن على الأقل أن نكون متفقين على خدمة تونس وهذه هي فكرة المشروع، وما أراه جيدا فيه هو أننا سوف نشرك كل الجامعات العالمية، وأتيت لأكسفورد وسوف انتقل لفرجينيا وأميركا، وجامعات أخرى ومنظمات في الشرق والغرب وسوف يكون مفتوحا على كل الجامعات العالمية للمشاركة سواء في البرنامج أو في التكوين.

لقد قدم ونال القبول في «مجموعة دول البحر المتوسط» من حيث الاهتمام والتمويل وسوف نسعى ليشارك فيه كل الناس والأطراف ويبتعد عن التجاذبات السياسية الضيقة.

* المواقف التي تتخذها والمواقع التي اتخذتها وتتخذها منذ كنت رئيسا للوزراء، جعلت المتابعين يجزمون بأنك مرشح النهضة المقبل للرئاسيات، ومنهم حتى من اعتبر مسألة حكومة التكنوقراط تمثيلية؟

- في الحقيقة ليس ما يدعو إلى الجزم في هذا الموضوع، وصراحة حتى داخل النهضة وآخر مجلس شورى لم نتطرق إلى موضوع الرئاسيات، أولا لأنه لا بد من دراسته من كل الجوانب ثم إنني لم أحدد بعد بصفة نهائية مشاركتي في هذه الانتخابات من عدمها.. وصحيح أشكر كل من منحوني الثقة وعبروا عن ثقتهم ورغبتهم، وهذا هو هدفي ونبراسي أن أكون في خدمة بلادي. وأؤكد أنه ليس لي طموحات ذاتية شخصية في أي منصب الآن وعندما تركت الحكومة تركتها عن قناعة، ثم إنني أعتبر أن القضية ليست قضية شخصية ولست ملهوفا على هذا المنصب أو غيره، القضية أنني بكل صدق وتجرد أين يمكن، وفي أي موقع يمكن، أن أخدم تونس، وهذا عندي يتساوى.. وليس الأهم أن يكون موقعا سياسيا أو سياديا، المهم أن يكون موقع الفعل وموقع العمل من أجل تونس وأنا أشعر أنني أقوم بدوري الآن عبر قيامي بجولة حول العالم بخدمة بلادي. أما وإنه سيكون ترشحا أو لا يكون فإنني بهذا المعيار وهذه المقاييس سوف أحدد موقفي.

ولكن إذا صح هذا الأمر، أو دعيني أقول ابتلاني ربي بهذا الموقع من جديد، موقع الحكم، لي تصور هو أن يكون هذا الموقع في خدمة البلاد وفي خدمة الائتلاف والتوافق، ولا يكون موقع صراع وصدام سواء مع الحكومة أو مع الأطراف السياسية، تونس الآن تشتكي من هذا التشرذم والتجاذب، وهذه الصراعات والمرحلة المقبلة هي مرحلة بناء أسس الدولة الديمقراطية، ومرحلة القضايا الاقتصادية الملحة، يضاف لها القضية الأمنية الملحة الآن. العنف واستعمال السلاح، وهذا يتطلب وفاقا على مستوى الحكم وقاعدة الحكم، وفاقا على مستوى الدولة، وحتى أكثر من وفاق أي حكومة وحدة وطنية، تتصدى لأهم القضايا في البلاد وتجابه التحديات الطموح. وهذا ما ندعو إليه في المستقبل لفترة حتى أكثر من خمس سنوات، وكذلك رئاسة توافقية أن يكون الرئيس لكل التونسيين بعيدا عن التجاذبات السياسية، بعيدا عن السطوة والسيطرة الحزبية. هذا ما أراه لتونس ولرئيس تونس القادم سواء كان حمادي الجبالي أو غيره. لأن أي تصادم في رأس الدولة بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية وحتى البرلمان لن يكون في خدمة تونس، تونس تحتاج إلى رفع التحديات القادمة وهي أمنية واجتماعية واقتصادية وإلى توافق بين كل الفاعلين السياسيين.

* هناك من يقول إنكم عندما كونتم حكومة تكنوقراط، والطريقة التي خرجتم بها من القصبة كانت تمثيلية لتكسبكم شعبية أكبر، ونجحتم في أدائها بامتياز ما رأيكم في هذا الكلام؟

- أنا قرأت الكثير عن هذا «وحقيقة (النهضة) كانت رائعة في المسرحية وتوزيع الأدوار، والذكاء». أنا أؤكد أن لا شيء من هذا الأمر إطلاقا، وهناك أناس قريبون مني سواء من النهضة أو المعارضة وشاركونا تلك الأيام واللحظات ومبادرة تشكيل حكومة التكنوقراط، والكل يدرك أنه لم تكن وراءها لا تمثيلية ولا مسرحية ولا تخطيط من هذا النوع.. كان موقفي واضحا تماما، اعتبرت أن تونس في تلك اللحظة تحتاج إلى حكومة بعيدة عن التجاذبات والمحاصصة تعمل في برنامج حكومي معقول وواقعي إلى حدود الانتخابات القادمة والتي طالبت بالإسراع فيها، كشرط من الشروط لتكوين تلك الحكومة وكانت هذه بمعزل تماما عن الأحزاب والتخطيط، وبالتالي لم يكن وراءها أي تمثيلية، وسوف يؤكد التاريخ ذلك.

* المصافحة بين الشيخ راشد الغنوشي زعيم «النهضة» والباجي قائد السبسي زعيم «نداء تونس»، هل هي صفحة جديدة لعلاقة حزبكم بـ«نداء تونس»؟ وهل تأتي في إطار أن لا صديق دائم، ولا عدو دائم في السياسة؟

- أولا لم نخطط لهذا اللقاء ولا حتى التراتبية في الجلوس، واعتبرتها شيئا طبيعيا جدا أنهم وفي الندوة استدعوا الوزراء الأولين السابقين، منهم الباجي قائد السبسي كان قبلي في الحكومة، ثم أتيت أنا بعده والأحزاب السياسية. بدأوا بالسيد راشد ربما لأنه زعيم أكبر حزب أو لأنه أقرب الناس لي ثم بعده السيد كمال مرجان، وأقول في هذا السياق إني أرجو أن نرتفع بمستوى الوعي عندنا، هل محكوم أن يكون اللقاء بين الفرقاء، أني إذا اختلفت مع أحد أن لا أصافحه أو أتكلم معه أو لا أضحك. هل ما زلنا في هذا المستوى، مع الأسف، من البدائية في التعامل السياسي. لا بد أن يكون التعامل حضاريا أختلف مع الآخر لكن أجلس معه وأتكلم معه. يجب الابتعاد عن هذه الصبيانيات والمراهقة السياسية، والآن نضع مستقبل البلاد أمامنا، إذا كانت العلاقة بين النهضة ونداء تونس غير جيدة هذا أمر يخص قياداتها، أنا دعوتي أن تونس لن تحكم إلا بالوفاق والتوافق، أنا لي هدف كبير.. لن تحكم تونس بالتصادم، في المرحلة المقبلة خاصة، ولهذا استغربت أن الناس اعتبروا المصافحة بين السبسي والغنوشي كارثة حلت بتونس، هذا دليل على أننا ما زلنا بعيدين جدا عن منطق الثورة. أعتبر أنه لا بد من التفريق بين العلاقات الشخصية والاحترام وعدم الفرقة وبين المواقف المبدئية السياسية، أنا لا أرى أي مانع عندما أتحدث إلى السيد الباجي أو غيره أو كمال مرجان، وهذا لا يمنعنا أن نتكلم بصراحة ونختلف أو نتوافق. اللقاء والحوار دائما إيجابي ومن يقولون بعدم إمكانية الحوار أقول إنكم في عالم متغير وأذكرهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتخاطب مع كل الناس، أصدقاء وأعداء ولا أرى أن هناك أعداء الآن.. الذي يصنف نفسه عدوا، هو من يتحمل مسؤوليته.

* شركاء «النهضة» في الحكم اتهموها ويتهمونها بـ«التغول» لهذا نشاهد تفتتا لهذه الأحزاب وانسحابات من قياديين فيها لتكوين أحزاب مستقلة، ما ردكم على هذه الاتهامات، وهل هذا التفتت في الأحزاب سيعطي النهضة حظوظا أوفر للفوز والتفرد بالحكم مستقلا؟

- أنا من موقع المسؤولية الذي كنت أشغله كنت أحضر في الترويكا وعلى علاقات مع هذه الأحزاب سواء في الحكومة أو في الأحزاب. أنا أرى أن هناك جانبا مبالغا فيه من هذه الأطراف السياسية، هم يدركون قبل غيرهم وزراءهم ويدركون أن تسيير الحكومة كان تسييرا ديمقراطيا من الطراز الرفيع، وكانت المداولات والمشاورات وأخذ القرار بالأغلبية بالتصويت، وكنت أحترم كل الوزراء ولا أنظر إلى ألوانهم ولا إلى انتماءاتهم، كلهم أتعامل معهم باحترام، في كل مجال وفي كل مراحل الحكم، الآن التعيينات هي المقصودة وهم يعلمون أيضا أننا دائما وضعنا المواصفات وكانت الكفاءة أول شرط، وهم يدركون أن ذلك هو طلبي الأول، وأنظر في الإدارة والوزارات، فإن يقولوا إن هناك تغولا فهذا مبالغ فيه. صحيح أنني في بعض الأحيان أبحث في الدائرة التي أعرفها أكثر ولكن لا يؤول الأمر إلى تخطيط وسبق إضمار.

ولكن جزءا منهم ينتقدونهم على المشاركة مع النهضة سواء في التكتل أو المؤتمر فلهم توجهات وهذا طبيعي وهم عندما دخلوا في تكتل واعون بهذا.

أما بالنسبة للجانب الثاني من السؤال فليس من مصلحة «النهضة» أو مصلحة البلاد إضعاف الأطراف السياسية، من الخطورة أن يكون هناك قطب واحد، من الخطورة أن يكون طرف معين على الساحة، هذا من أبجديات الديمقراطية والتوازن ليتحقق التداول على السلطة وأن لا يتغول طرف ويستبد ويذهب إلى الديكتاتورية، دائما الحزب الواحد ينطلق من أنه فراغ من حوله ويذهب إلى الاستبداد، أنا أتمنى لصالح البلاد وأنا متأكد أن هذا سيكون أيضا لصالح الحركة أن يكون هناك مناسبا، وحتى في مقابلة رياضية بين جمعية قوية وأخرى ضعيفة لا يكون لها معنى حتى على المشاهدة، وهذا أهم من المشاهدة؛ هذا مستقبل البلاد، لا بد من توازن داخل المجتمع والشعب هو الذي يختار، وهو الذي يداول بين من في السلطة.

* لماذا كل هذا التأخير في كتابة الدستور؟

أنا أعلنت عن موقفي منذ يناير (كانون الثاني) 2013 وحتى قبل ذلك أنا أعتبر أن هناك تأخرا مخلا وكبيرا في كتابة الدستور وأحمل كل الأطراف، وليس فقط النهضة، أحزابا ونوابا، وقيادة المجلس التأسيسي وكذلك الحكومة نفسها المسؤولية، كان الأولى بنا أن نتفرغ لهذه المرحلة التأسيسية، قبل كل الأعمال حتى قبل برنامج الحكومة لأن كل تسريع في الانتخابات هو خروج لمرحلة أفضل وأرحب، مرحلة من الاستقرار السياسي والمؤسساتي، والآن تأخرنا كثيرا ودخلنا في تجاذبات كل الأطراف مسؤولة عنها، النقاشات، المساءلات، غيابات النواب، أنا مع احترامي للنواب الذين يكررون «نحن مؤسسة سيادية» أنه لا توجد مؤسسة سيادية للشعب التونسي الآن، مصلحة الشعب أولى، أنتم جئتم لأداء مهمة ما قوموا بمهمتكم وانصرفوا وأدوها في أقرب وقت ولا تقولوا «نحن نحكم ونشرع». لأن في التأخير خسارة لتونس وتعجيزا للحكومة.

* ما النظام الذي ترون أنه أنسب لتونس: الرئاسي أمم البرلماني؟

- من حيث النظرية النظام البرلماني هو أقرب للديمقراطية وللتمثيل الشعبي ولا جدال في هذا، لكن هذا يقتضي تدرج واجتماع كل الشروط والظروف المناسبة لذلك وإلا فسوف تتشتت السلطة وتكون خاضعة لمزايدات في البرلمان، وحتى من أطراف صغيرة في البرلمان، وأمامنا أمثلة ولكنها يمكنها الإقدام على هذه التجربة في الحكم لأن لها مؤسسات راسخة، ويمكن أن تبقى بلجيكا مثل إيطاليا دون حكومة ولأشهر كثيرة، لكن المؤسسات مستقرة في الدولة وفي المعارضة وفي القضاء وفي الإدارة والأمن، في هذه المرحلة من الصعب جدا أن يكون هذا أفضل أسلوب للحكم التونسي.

في المقابل نحن دائما مشكلتنا الذهاب للتطرف، كذلك النظام الرئاسي شبح يخيم علينا، ونخشى حتى من هذا المنطلق أن لا يتم احترام الدستور وغير ذلك من التجاوزات، وحتى إن اكتسب الرئيس الشرعية الشعبية بالانتخاب ووضعنا له كل الصلاحيات أن لا نأمن ومع وضعية هشاشة مؤسسات الدولة وعدم اكتساب التقاليد وحتى الرأي العام نخشى أن يتغول هذا الرئيس، ويميل إلى الانفراد بالحكم إن لم أقل الديكتاتورية.

إذن هذان النظامان مستبعدان والممكن في حالة تونس هو نظام يجمع بينهما، هذا إذا لم يكن له شرط فسيكون عائقا كبيرا أيضا لأن رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية سوف يتناحران ويصطدمان.

* ما الشرط الذي تقصدونه؟

- الشرط هو الوفاق، ولو لمرحلة انتقالية تدوم خمسا إلى عشر سنوات يعمل فيها رئيس الجمهورية والحكومة بالتوافق والانسجام بأكثر درجة ممكنة.

* لكن ما ضمانات تحقيق هذا الانسجام؟

- هذا ما قلت عنه الآن إنه على الأحزاب في تونس أن تدرك أن المرحلة المقبلة هي مرحلة وفاق، وترشحي إذا تم - وما زلت لم أقرر فيه شيئا - سيكون بهذه الفلسفة؛ لن أكون كبش نطاح لأي حزب كان، الرئيس يجب أن يكون لكل التونسيين، ملجأ كل التونسيين، وتوفيقيا، يجمع ولا يفرق، ويتعامل مع الحكومة بأريحية وبتوافق، هذا هو الشرط وإلا سينقلب هذا النظام السياسي المختلط إلى كارثة أخرى تضاف إلى التحديات الاجتماعية والاقتصادية والتحدي الأمني الذي يواجهنا غدا.

* إذا طلبت منكم رقما يعكس نسبة إمكانية ترشحكم للرئاسة من مائة، بماذا تجيبون؟

- والله تأكدي أنني لا أقول كارها إلى درجة الكره، لكن هناك عزوفا لدي.

* هل هو تخوف من المسؤولية؟

- لا أبدا.. بل على العكس عزوف؛ لأنه نقطة ضعفي وقوتي، نقطة قوتي أنني لا ألهث ولا أجري وراء هذا المنصب بل ربما أتحاشاه.. ولكن نقطة الضعف أنه لا بد لكل مسؤول أن يمسك بقوة، الذي سيقودني بالأساس أنه إذا كان هذا الموقع، ابتلاء فلا بد منه لصالح البلاد، للتوافق، ولصالح أن تكون هذه الرئاسة مؤسسة كل التونسيين، ومظلة وخيمة لكل التونسيين، سوف أقدم عليها كارها وإلا فلدي من الأعمال ما يشغلني ويكفيني وأقلها هذا المركز لتكوين القيادات الذي أعمل عليه وهو حلم حياتي.. وليس لي الآن أي نسبة، سأقيم الأمر وأنظر للوضع لكن المؤكد أنني لن أكون مرشحا لأي حزب.

* في تونس مطالبة - خاصة من طرف «النهضة» - بقانون تحصين الثورة، ثم لما تمت المصادقة في ليبيا على قانون العزل السياسي، «النهضة» رأته تسرعا في اتخاذ القرار، هل هذا التضارب منطقي؟

- أنا لن أحكم على الليبيين؛ هذا الأمر يهمهم، السياسة لا بد لها من أخلاقيات ومبادئ تحكمها وإلا فلا داعي أن أقول في ديننا وفي الأعراف الدولية والقضائية إن الجريمة فردية، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وكل نفس بما كسبت رهينة، صحيح هذا على المستوى الفردي والشخصي، ولكن حتى على المستوى السياسي. صحيح أن «التجمع» (الحزب الحاكم في عهد الرئيس المطاح به زين العابدين بن علي) أفسد في الأرض وحل بالقضاء، الآن كل من دخله وشارك ننظر هل ارتكب جريمة أم لا وهذا يحدده القضاء العادل والمستقل، بالتالي أي شخص مهما كان حتى ولو كان بن علي لا بد أن يقدم إلى القضاء إن ارتكب جريمة ويحكم القضاء ويبت فيه وله الدفاع عن نفسه، وأبجديات الحكم العادي والعادل أن يكون هناك قاض ومتهم ومتضرر، ويعطى للمتهم حق الدفاع عن النفس ويكون القاضي مستقلا، قانون العزل يضر بالنهضة بالأساس، وسوف يترجم على أنه قانون سياسي لإقصاء طرف سياسي قبل الانتخابات ولذلك أقول كل من أجرم يمر أمام القضاء، ولكن هناك محكمة اسمها الشعب التونسي والانتخابات. فالقضاء السياسي يمر عبر الانتخابات وصندوق الاقتراع. وإن كانت هناك جريمة أخرى فالقضاء أولى أن يبت فيها.

* أحداث الشعانبي وتضارب الأنباء حول جدية وخطورة «السلفية الجهادية» في تونس، والكثيرون يرون أن الحكومة تعتم ومواقفها غير واضحة، ما الذي وراء هذا؟

- هذا الكلام لا أرى داعيا له، ترى بعض الأطراف تحمل الحكومة المسؤولية، أي حادث في تونس تحمل الحكومة مسؤوليته، هنا خطورة توظيف هذه القضايا، هل من مصلحة الحكومة الإخفاء.

لكن هناك قضايا أمنية وتبعات لا يمكن إفشاؤها لمعرفة الحقيقة لعدم الانجرار وراء أشياء غير واضحة أمامنا أو مدروسة، وتوفرت فيها كل المعلومات، المشكلة خطيرة من حيث إنها انتقلت بالوضع التونسي إلى وضع خطير وهو استعمال السلاح، فمن قبل كانت خطبا، تظاهرات أو بعض التصرفات، لكن هذه تعتبر نقلة نوعية في الحياة السياسية التونسية وفي المجتمع التونسي. بعد هذا التطور الخطير كان موقف الحكومة واضحا عبر التصدي بكل قوة لهذه العناصر بالذات في هيكلتهم، ووسائلهم وقياداتهم، ولا يمكن لأي حكومة في العالم أن تقبل رفع السلاح في وجهها أو في وجه مجتمعها وتبقى مكتوفة الأيدي تتردد وتقول بالحوار، لكن لا حوار ولا نقاش مع حامل السلاح إلا أن يضع سلاحه، وأي شيء آخر تخريب لمجتمعنا والدخول به في متاهات لا حد لها.

* هل ستضطر الحكومة للتعامل بأسلوب النظام السابق (زين العابدين بن علي) مع السلفيين المتشددين، وفي تصريحات مؤخرا قال السيد رئيس الحكومة علي العريض إن الحرص على تطبيق حقوق الإنسان أدى إلى توسع هذه الحركات؟

- لا مقارنة مع النظام السابق، لأننا لم نرفع في وجهه السلاح، نحن رفعنا القلم والكلمة وحقوقنا كطرف سياسي، ورفضنا دائما أفظع الوضعيات في أجسادنا وعائلاتنا وذقنا الأمرين في السجن وخارج السجن وفي المهجر ولم نرفع السلاح ورفضنا هذا ليس عجزا وإنما عن قناعة وأخذنا الدرس من التجارب الأخرى، لا لرفع السلاح لقضايا داخلية في المجتمع. ولم تتورط «النهضة» أبدا لا داخل ولا خارج البلاد. هناك ظواهر أخرى من العنف السياسي والتوظيف وهي مجتمعية لا بد من تناولها بمقاربات متكاملة عبر الحوار.

* «النهضة» هل أدارت ظهرها للسلفيين بعد أن كان يصفهم الشيخ راشد بـ«أبنائنا» هل هم الآن «أعداء»؟

- «النهضة» كان من واجبها توضيح هذه المسألة بكل شفافية وصراحة، الحد الفاصل هو استعمال السلاح، الانتقال إلى الفعل، يجب على الحركة كحزب أن تؤمن بأنه لا بد من التفريق بين حامل السلاح وغيره. ما عدا ذلك من مجموعات ستشكل في أحزاب لها الحق شرط احترام القانون وكل من يتحدى القانون سيواجه بالقانون.

ولم يعد مقبولا أساسا أن تقوم هذه الجماعات سواء بخلفية دينية أو غيرها عوض الدولة في مسألة الأمن بالنسبة للأفراد والمؤسسات أو الجماعات، وأن تدعي لنفسها أنها من منطلق «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» أو غير ذلك أن تقوم بدور الأمن أو الدولة وهذا الكلام موجه إلى كل هذه التنظيمات والميليشيات واللجان التي تريد القيام بدور الدولة في الدفاع عن المواطنين والمؤسسات. هذا يجب أن يكون واضحا وتصريحات الشيخ راشد أتت لتوضيح هذا الأمر.

* هذا التردد من مسؤولين في الحكومة على الجزائر وتصريحات المسؤولين حول أنهم سيساعدون تونس، أليس فيه مسا بقدرة أمننا وجيشنا على حفظ الأمن في تونس؟

- هذا بالعكس لقد تأخرنا في التنسيق الأمني والسياسي مع الجزائر، وهذا لا يعني أننا ضعفاء ونستدعي قوى أخرى بل لأن طبيعة المشكل هو طبيعة تجاوزت الحدود وتشمل منطقة كاملة، وطبيعة الإرهاب أنه لا يعترف بحدود ولا بسيادة الدول وتنقلهم مثلا في جبال الشعانبي بين تونس والجزائر وذهابهم إلى مالي وليبيا وهذا ما يستدعي تنسيق الجهود مع هذه الدول.

* هل تنسقون أيضا مع مالي وليبيا؟

- مع مالي لا تنسيق؛ حيث إن مالي بعيدة عنا، لكن مع ليبيا والجزائر أرى أنه لا بد من مزيد من التنسيق وهذا لا يعني تدخلا في شؤوننا الداخلية أو الخارجية، بل هذا يدخل في إطار مصلحة مشتركة ومصير مشترك، فلا بد من رفع درجة التنسيق والتكامل، ومع الأسف الإرهاب يتجاوز حدودنا.

* زيارة فابيوس تمهيدا لزيارة هولاند، هل أتى لوضع شروط بين البلدين؟

- في التعاون والتنسيق لا نكتفي بدول المنطقة لأن قضايا الإرهاب عالمية، هي قوة عمياء ومن الطبيعي أن لفرنسا مصالح كما لأميركا مصالح وهم أيضا يعرفون أنه وخاصة بعد الثورة لا نسمح بأية شروط ولا أظن أن هناك أي شروط فرنسية، وفرنسا أذكى من أن تضع شروطا، هي مجرد تعاون وتنسيق وتبادل الزيارات لتكامل الجهود. في إطار السيادة نعتبر أنه من الطبيعي دعم العلاقات، أيضا تعاوننا مع فرنسا استراتيجي، وكل من يقول عكس ذلك هو لا يفهم العلاقات التي تربطنا بأوروبا وفرنسا، إنها علاقات مصالح مشتركة، علاقات اجتماعية، ونريد علاقات واضحة تحترم سيادتنا وقرارنا وهذا لا يتعارض مع بناء علاقات طيبة مع الدول الأوروبية، لا نريد الوقوع في سياسة المحاور.

* لماذا لا تفتح تونس آفاقا أوسع مع الدول العربية خاصة الخليجية، نرى تركيزا أكثر على قطر إلى درجة بلغت الحديث عن «استعمار «قطري»؟

- هناك آفاق.. أنا زرت السعودية في زيارتين واحدة رسمية وأخرى غير رسمية، ورئيس الحكومة الحالي علي العريض سيزور السعودية، سياستنا مفتوحة نريد بناء علاقات مع كل جيراننا وأصدقائنا، ولسنا تابعين لأي نظام نحن منفتحون ونسعى لدعم علاقاتنا مع السعودية، مع الإمارات، الكويت، مصر، وكل الأنظمة. وهم حجر الزاوية في سياستنا الخارجية. لكن لا يجب أن نسقط في فخ المزايدات السياسية. ومع الأسف يتهموننا بالتبعية لقطر وتركيا ويريدون عزل الحكومة وقطع العلاقات مع كل الأطراف لتجفيف المنابع المادية والسياسية وهذا داخل في حسابات داخلية للإطاحة بالحكومة.

* الولايات المتحدة ودورها في التجربة الديمقراطية في تونس؟

- كانت واضحة في دعمها للتجربة الديمقراطية وأنا من منطلق خدمة بلادي سأزور واشنطن في أقرب وقت لإعادة هذا الخطاب وهو أن تونس تحتاج إلى دعم سياسي واقتصادي واجتماعي، وهذا ليس دعم حكومة بل دعم التجربة. والرئيس أوباما كان واضحا وفهم منذ الوهلة الأولى أن دعم التجربة التونسية يخدم مصلحة أميركا قبل كل شيء ومصلحة المنطقة، وإضافة إلى المبادئ التي قامت عليها السياسة، وهي دعم الديمقراطية والحريات ونشترك فيها مع العالم الديمقراطي. وأنا أعتز بالعلاقة مع أميركا لأنها تبني لمصالح مشتركة.

* الإعلام في تونس هل يتعامل بواقعية مع ما يحدث في تونس؟

- من يقرأ العناوين التونسية يأتيني 12 عنوانا يوميا لو وضعتها بجانب بعضها البعض لرأيت عنوانا واحدا وخطا تحريريا واحدا، هناك إشكال في الإعلام هو الانحياز واللاموضوعية، أنا لم أدخل معهد الصحافة لكن أعرف أن الخبر مقدس والتحليل والتعليق حر، ما أعيبه هو الخلط المقصود؛ أن نقدم للشعب التونسي المعطيات كما هي. هناك حسابات سياسية وشخصية وآيديولوجية.. الثورة أعطت فرصة للإعلام التونسي أتمنى أن يفهمها ويستغلها، أنا لست مع احتواء الإعلام أو مواجهته، فقط أريد مزيدا من الشفافية وأنا متأكد أن الإعلاميين سيرتقون بمهنتهم لأنهم لو واصلوا العمل في هذا الاتجاه سوف يفقدون مصداقيتهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق