Google+ Followers

الخميس، 9 مايو، 2013

قراءة في المأزق الدولي: السبيل لإسقاط الأسد


علي شهاب
يعتمد الجيش الأميركي عموماً في عمليات المحاكاة Simulation التي يطبقها على افتراض أن الخصوم سيتصرفون في ظروف معينة وفق أهداف واستراتيجيات تحتمل علميا الخطأ، كون الذين يؤدون أدوار الخصوم هم في النهاية أميركيون. من الملاحظ أن الجهات الأميركية (جامعات، مراكز دراسات، وكالات استخبارات ومعاهد عسكرية)، التي قامت حتى الساعة بمحاكاة مستقبل سوريا إذا سقط النظام أم بقي، اعتمدت في المُدخلات Inputs المستخدمة في استخلاص النتائج على تجارب أميركية سابقة مع «الإرهاب» (والمقصود هنا المجموعات التكفيرية وكذلك المنظمات الحليفة لسوريا) وعلى المصلحة الاستراتيجية من زاوية اسرائيلية. لا يمكن تطبيق محاكاة كومبيوترية لمستقبل سوريا من دون الأخذ بعين الاعتبار ظروف محلية الصراع وتضاد أو تقاطع المصالح الاقليمية البالغة التعقيد، مع الإشارة الى أنه في الأحداث الكبرى تاريخيا غالبا ما يكون العنصر الحاسم مفاجئا لجميع التوقعات، ومن خارج الحسابات الموضعية. الثابت الوحيد في ما يخص المعركة العالمية في سوريا حقيقة أن ميزان القوى بين الطرفين متساوٍ تماما في محصّلة الردع، وأن استمرار شدة الضغط سيُجبر طرفا ما في النهاية على كسر التوازن بأي وسيلة أمنية أو عسكرية أو سياسية.
الخطير هنا أن واشنطن ما زالت تُظهر نقصاً في فهم «الوعي الثقافي التكتيكي» لأعدائها، ومع تراجع بريطانيا في الملف السوري بعد أن تلمست ضعف فرنسا، الشريك الوحيد الذي كان يُعوّل عليه للتحليق خارج سرب الاتحاد الأوروبي المشغول بملفاته الاقتصادية؛ فإن المؤشرات القريبة المدى تُفيد بأن أي حساب خاطئ قد يُشعل حربا إقليمية. لن يكون بمقدور الولايات المتحدة محاكاة أدوار خصومها مسبقا في مواجهة كهذه: تهديدات المرشد في ايران ونصرالله في لبنان منذ سنة تحتاج الى دراسة دقيقة للتحول الحاصل في فكرهما العقائدي البراغماتي من الدفاع الى الهجوم.
الهدف من هذا المقال، في جزءيه، قياس مصلحة الأطراف المحلية والاقليمية والدولية المرتبطة بالأزمة السورية في سيناريوهات محددة. ولئن كان إجراء محاكاة لأي سيناريو يتطلب برامج حاسوبية غير متوافرة في العالم العربي، فإن ما سنستعرضه يستند الى كم كبير من الأبحاث والدراسات والمحاكات الغربية لمصير سوريا. الجزء الأول يتناول خيارات وسيناريوهات إسقاط الرئيس بشار الأسد.
تكاد الدراسات والأبحاث التي تناولت سُبُل إسقاط النظام السوري، منذ بدء الأزمة قبل عامين، تُجمع على الخيارات المُتاحة لإسقاط الرئيس الأسد، مع الأخذ بعين الاعتبار تقدم أو تراجع أي من هذه الخيارات تبعا للتطورات الميدانية اولا ومن ثم الشد السياسي اقليميا ودوليا ثانيا، فضلا عن محطات مفصلية تدفع وتيرة الضغط الى ذروتها كما هي حال اللقاء المرتقب بين أوباما وبوتين (وإن كان المسار المنطقي للأمور يحتّم عدم البناء على هذا اللقاء) أو اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في إيران منتصف حزيران المقبل.

1- الضغوط السياسية والديبلوماسية:

برز خيار محاولة إقناع الأسد بالرحيل كمادة للتداول الإعلامي في بداية الأزمة، قبل أن يظهر تباعا أنه كان مجرد تعمية على التحضيرات الميدانية لإسقاط النظام بالقوة. اللافت أن هذا الخيار عاد للتداول مجددا في طيّات الدراسات والأبحاث عقب الصمود الذي أبداه بشار الأسد شخصيا من دون أن يحظى عمليا بمعالجة علمية جدّية، فبقي الكلام عنه مجرد انعكاس لرغبة جامحة بممارسة كل أشكال «العنف السياسي» لأسباب لها علاقة بتحول الصراع في كثير من الأحيان عند مستوى قادة الدول المعارضة للنظام السوري الى أزمة شخصية لا مجال لذكرها هنا. مع الإشارة الى أن عنصراً رئيسياً ساهم في الترويج لهذا الخيار وتمثّل بالموقف الروسي «اللين» نسبياً في بداية الأزمة إزاءه، قبل أن يُفضي التنسيق الروسي الإيراني الى تثبيت خطوط حمراء استراتيجيا بعد أن رسمت طهران خريطة لموازين القوى المحلية في سوريا وأثبتت أن شخص الأسد هو الضمانة الفعلية لعملية التحول والإصلاحات في البلاد في هذه المرحلة.
من نافلة القول إن هذا الخيار يصطدم أولا بفيتو روسي صيني وبمصالح الدول المؤثرة في الملف السوري، وينعكس هذا الاستقطاب الحاد في اجتماعات الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو غيرها من المحافل التي تتناول أوضاع الشام. وقد شاءت الأقدار أن تصبح التجربة الليبية ماثلة في الذهن الروسي لتنظر موسكو بعين الريبة الى أي خطوة «ديبلوماسية» من شأنها ممارسة المزيد من الضغط على النظام السوري.
الكلام عن تأمين «خروج آمن» للأسد وعائلته هو إحدى أوراق هذا الخيار غير القابل للتطبيق بحسب توازنات الساعة، خاصة في ظل التفكك الذي تعانيه المعارضة وعدم قدرتها على تقديم برنامج متكامل للحُكم يلحظ جميع مكوّنات الشعب السوري.

2- عزل النظام اقتصادياً:

لم تحظَ العقوبات الاقتصادية والانهيارات الصغيرة المتلاحقة في قطاعات مختلفة داخل سوريا بمعالجة إعلامية جدية وغير منحازة تقيس بدقة حجم تأثير هذا الملف على مستقبل سوريا. وإن كانت الإشارة عرضياً الى مصادر الطاقة شرقي المتوسط كأحد الأسباب الرئيسية وراء ما يجري في بلاد الشام، فإن أي أرقام حيادية لم تصدر عن مرجع معتبر بما يحاكي الواقع كما هو. وانسحب هذا الأمر على الملفات الاقتصادية في الداخل السوري، فيما تسابقت الإحصاءات الى تقدير الموازنات الشهرية والتحويلات المالية الضخمة من حلفاء الأطراف المتصارعة. ولئن كان الغلاء المعيشي إحدى النتائج الطبيعية والمتوقعة في دولة فقدت قطاعات اقتصادية كاملة بسبب التخريب الممنهج والفوضى على حد سواء، فإن عناصر مقابلة تفرض حتى الساعة نوعاً من التوازن الهش؛ من بينها «قناعة» الفرد السوري عموما وعدم اعتياد الشريحة الكبرى من الشعب على حياة البذخ والترف مع الاكتفاء بالسياسات الحكومية التي كانت تدعم الحاجيات الرئيسية كالطبابة والتعليم، فضلا عن الدعم المتواصل الذي تؤمنه المساعدات النقدية والعينية الايرانية والروسية والعراقية للدولة السورية (على سبيل المثال، ترسل ايران ما يزيد على 500 طن من الطحين شهريا الى سوريا، بحسب إحصاءات صادرة عن مؤسسات تابعة للحرس الثوري). قد لا يشكّل العامل الاقتصادي ورقة ضغط مهمة إذا استتب الأمن نسبيا، خاصة أن تجارب سابقة أثبتت أن العقوبات الدولية تتحول الى فرصة لتحقيق الاكتفاء الذاتي اذا أحسنت الحكومات اقتناص الفرص وإدارة الأزمة، لكن مع استمرار العمليات العسكرية والأمنية من جهة وعدم قدرة النظام فعليا على مكافحة الفساد في ظروف كهذه من جهة ثانية، فلا إمكانية للحديث عن أي محاولات حلول على الصعيد الاقتصادي. وسيبقى هذا القطاع رهينة التوازي الاستراتيجي الذي توصل اليه محورا الصراع على سوريا، من دون أن يتحول الى ورقة ضغط قادرة على إسقاط النظام عمليا حتى لو ساءت المجريات على الأرض. ولا تزال تجربة نظام صدام حسين في العراق ماثلة في الأذهان، إذ استطاع مع فارق المعطيات مقارنة مع سوريا الصمود لسنوات في ظل الحصار الاقتصادي.

3- عملية عسكرية:

يدل مسار المعارك على صعوبة تحقيق المعارضة المسلحة خرقاً استراتيجياً في المعادلة القائمة. لا يبدو كذلك ان الجيش النظامي قادرٌ على الحسم النهائي لاعتبارات لها علاقة ببنيته أولا وبأشكال وأساليب القتال غير الممنهج لدى الطرف المقابل، فضلا عن الطبيعة الجغرافية لساحات القتال، على الرغم من التطور الذي أبدته القوات النظامية في الإدارة الميدانية منذ بدء الأزمة. حالة التوازن النسبية هذه، مع التحول الحاصل أخيرا لمصلحة الجيش النظامي في القصير تحديدا، تستدرج دراسة تدخّل عامل خارجي يُرجّح كفة المعارضة المسلحة. في هذا الإطار؛ السيناريو الأكثر تداولا في مراكز الدراسات الغربية هو تنفيذ حملة جوية على غرار عملية حلف شمال الأطلسي في ليبيا العام 2011.
سبب تقدم هذا السيناريو على غيره الافتراض ان الدفع بقوات برية ليس مضمون النتائج، وبالتالي فإن ما تقدر الولايات المتحدة على تنفيذه يبقى دون سقف الحملة الشاملة ويمكن تأطيره في سياق عملية محدودة لا تستفز كثيرا روسيا ويكون طرف اقليمي قادراً على المضي بها على قاعدة تجنب جر المنطقة الى مواجهة شاملة، لكن هذا الخيار لا يلحظ حتى الساعة الحسابات الايرانية، مع التلميحات والتصريحات التي تخرج بين الفينة والاخرى من طهران أو بيروت متوعدة بالانخراط في جبهات القتال إذا تم اللجوء الى خيار الحرب على سوريا. كما يُسقط هذا الخيار بشكل مثير للريبة منظومات الدفاع الجوي المتطورة المنتشرة على مختلف الأراضي السورية.
دون هذا الخيار، تدرس واشنطن منذ فترة إمكانية تنفيذ عمليات موضعية داخل الأراضي السورية باستخدام طائرات من دون طيار، لكن هذا الأمر يبقى رهن احتمال وجود تقنيات صينية أو روسية أو إيرانية قادرة على إحباطها بحوزة الجيش النظامي السوري، كما يخضع عملياً لمسار المعارك وعمليات كهذه كعنصر مستقل لا تكفي لتحقيق اختراقات سريعة في الموازين العسكرية.
عامل آخر يدخل في الحسبان عند دراسة جدوى العملية الجوية: تحتاج الولايات المتحدة الى الإغارة على مدار الساعة على أهداف حكومية سورية إذا أرادت ضمان تقدم المقاتلين على الأرض. هذا يعني اللجوء الى هجمات بأعداد كبيرة من المقاتلات تنطلق من قواعد قريبة (على الأرجح قواعد في اليونان والبلقان ومن الأردن وتركيا).على أن الحسابات السياسية الدولية قد ترسم مسار أي عملية عسكرية ضمن إطار مختلف: يتولى سلاح الجو الاسرائيلي تنفيذ عمليات موضعية على شاكلة ما حصل أخيرا. وهذا الخيار يستحق معالجة منفصلة في حلقة الغد.
على أن الذهاب بعيدا في أقسى سيناريوهات هذا الخيار؛ أي الحرب الشاملة، ليس محسوما لأي طرف. وبالتالي فإن اللجوء اليه يتطلب درجة عالية من المناورة السياسية. مناورة يبدو أن الجميع يدرك حدود سقفها كما حصل في العدوان الأخير على جبل قاسيون.
تدرّج التعامل مع سوريا اذاً وفق الخيارات الثلاثة الواردة أعلاه حتى وصلنا الى الخيار العسكري. ولئن كانت معظم الدراسات الأميركية التي حاكت سبل إسقاط الأسد أوصت بالمزج بين هذه الخيارات، فإن أي حدث من شأنه تعديل موازين الصراع يتطلب زمنا غير قصير، ذلك أن تحقيق انتصار أي طرف بات يعني يوما بعد يوم كسر الطرف الآخر، وهذه مسألة بالغة التعقيد في حالة استقطاب حاد كما هو حال سوريا، فضلا عن أن أنصار المدرستين المثالية والواقعية في كلا المحورين المتصارعين يمنّون النفس بحصول حدث من خارج السياق يكون مؤثرا جذرياً. وحتى ذلك الحين، تبسط جبهة النصرة سيطرتها أكثر على الأطراف مع محاولات مستمرة لاختراق الوسط والعاصمة عبر سيناريوهات عسكرية متعددة تلحظ مساندة أجنبية مباشرة، فيما يواصل المحور الآخر تقدمه عبر تقطيع أوصال خطوط الإمداد لدى المقاتلين والسيطرة على النقاط الاستراتيجية بهدف محاصرتهم وتجفيف منابع حراكهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق