Google+ Followers

الخميس، 6 يونيو، 2013

في ذكرى أيقونة "ثورة 25 يناير" خالد سعيد: "دمك هيحرَّر بلد"


القاهرة - دينا جميل
مجموعة من الفتيات من أعمار مختلفة يقتربن من وزارة الداخلية في منطقة وسط البلد في القاهرة. منهن ممن لم يشاركن في تظاهرة من قبل، ومنهن محترفات في السياسة. بمجرد اقترابهن من الشارع المؤدي إلى الوزارة يكتشفن طوقاً أمنياً وعشرات الضباط واللواءات يمنعون مرور كائن من كان.
تقرر الفتيات بسرعة الادّعاء بأنهن في طريقهن لزيارة عائلية. يظهرن البراءة، وعدم فهم لماذا تستوقفهن الشرطة. ينخدع الضباط وتمر الفتيات.
حدث ذلك يوم الأحد 13 حزيران العام 2010، اي بعد أسبوع من مقتل الشاب السكندري خالد سعيد بسبب التعذيب على أيدي رجال شرطة.
كان الحدث هو أول تظاهرة تضامنية مع خالد سعيد، الذي أطُلق عليه "شهيد التعذيب"، وكانت التظاهرة ضد وزارة الداخلية وممارساتها، التي اعتبرها النشطاء المتهمة بقتله.
وبرغم كل التعزيزات الأمنية، نجح عشرات النشطاء في التجمع، بعد اضطرارهم إلى تغيير مكان التظاهرة المعلن من أمام وزارة الداخلية إلى ميدان لاظوغلي القريب منها.
"خالد خالد يا ولد ... دمك هيحرَّر بلد"، و"حضرات السادة الضباط .. روحوا جنينة الحيوانات"، هتافات رددها المشاركون الذين ازداد عددهم حتى اضطرت قوات الأمن إلى محاصرتهم بـ"كردون" شديد. وبين الحين والآخر كانت قوات الأمن تفتح "الكردون" لتختطف بعضاً من النشطاء المعروفين، ثم تعيد حصار المتظاهرين.
اليوم 25 كانون الثاني العام 2011.
الحدث: المجموعة ذاتها من الفتيات تقرر المشاركة في التظاهرات التي دعا لها النشطاء في ذكرى عيد الشرطة احتجاجاً على ممارساتها القمعية. شاركت الفتيات في المسيرة التي انطلقت من منطقة ناهيا. ازدادت أعداد المشاركين. عشرات الآلاف يجوبون شوارع القاهرة مرددين "الشعب يريد إسقاط النظام". تذكرت الفتيات تظاهرة "شهيد التعذيب"، وطلبن له الرحمة.
وما بين الحدثين شاركت الفتيات في عشرات التظاهرات، التي تعددت أسبابها وبقي الاحتجاج، وظللن يتذكرن أن الشرارة كانت سعيد.
"مقتل خالد سعيد، أحد الحوادث الفارقة في مسار عملية التغيير في مصر. لم تكن المرة الأولى التي تلجأ فيها الشرطة إلى التعذيب الوحشي، ولكن هذه الحادثة التي جاءت في مناخ من الاحتقان في الصراع الطبقي والسياسي في مصر كانت القشة التي قصمت ظهر البعير"، هكذا بدأ عضو المكتب التنفيذي لـ"التيار الشعبي" مصطفى شوقي، حواره مع "السفير".
في السادس من حزيران 2010، قُتِل خالد سعيد على يد رجال شرطة في الاسكندرية. وبعد ساعات قليلة من مقتله انتشرت قصته كالنار في الهشيم بسبب صورته بعد التعذيب التي استطاع أحد النشطاء التقاطها ونشرها على الإنترنت.
نزع مقتل سعيد ورقة التوت عن عورات نظام حسني مبارك البوليسي الذي اتخذ القمع أداة رئيسية للسيطرة، لتبدأ حملة تضامن واسعة في مصر كلها، ساهمت فيها صفحة "كلنا خالد سعيد"، التي استطاعت اجتذاب عشرات الآلاف من الأعضاء في ساعات قليلة.
"الآلاف من شباب الطبقة الوسطى شعروا أنهم أيضاً مهددون، بالرغم من وضعهم الطبقي، وبالرغم من ابتعادهم عن النشاط السياسي.
"فجرت هذه الحادثة مشاعر الرعب من المستقبل لدى هؤلاء الشباب ودفعتهم للمرة الأولى إلى الاهتمام بالشأن العام"، يضيف شوقي.
بعد مقتل سعيد ثار لغط شديد حول أسباب وفاته، فادّعت الشرطة أنه ابتلع لفافة من مخدر "البانغو" كانت معه أثناء القبض عليه، فيما أكد النشطاء والمنظمات الحقوقية أن الوفاة سببها التعذيب.
وبحسب شوقي فإنّ الغضب الشديد بسبب مقتل الشاب الذي لم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره وقت وفاته، سبقها بشهور قليلة عودة محمد البرادعي إلى مصر، وبدء نشاط "الجمعية الوطنية للتغيير"، فكان أن اجتذبت حركة التغيير الشباب الغاضب الذي تبنى مطالبها بعد اكتشافه أنه ليس بعيداً عن سيف نظام مبارك.
ككرة ثلج اتسعت الحركة المناهضة لجهاز الشرطة وارتبطت بحركة التغيير وبالحركة الاجتماعية الصاعدة. آلاف الشباب بدأوا فجأة الاهتمام بالسياسة وأصبحت التظاهرات بالنسبة إليهم عملاً عادياً، فكانت الدعوة إلى احتجاجات الخامس والعشرين من كانون الثاني 2011 من قبل هؤلاء الشباب الذين ألهمتهم في الوقت ذاته الثورة التونسية.
"الشباب نجح في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة في الحشد. بالطبع لم يكن الحشد لينجح لولا وجود تحركات على الأرض ووجود حالة من الاحتقان الشديد، فجرتها حادثة خالد سعيد. فكانت التظاهرات التي أطاحت بنظام مبارك"، يضيف شوقي.
سقط نظام مبارك، المتهم الأول في مقتل "شهيد التعذيب". توقع كثيرون أن يكون هذا دافعاً لمحاسبة كل من قتل وسرق وعذب في عهده. ولكن الواقع لا يمكن أن يكون أبعد عن هذه التوقعات.
يوم السبت الماضي، قررت محكمة جنايات الإسكندرية إخلاء سبيل المتهمين على ذمة قضية سعيد لانقضاء الحد الأقصى لفترة الحبس الاحتياطي. وأثار القرار غضب النشطاء الذين كانوا يرتبون بالفعل لإحياء الذكرى الثالثة لاستشهاده التي يحل موعدها اليوم.
بالأمس سقط شهيد جديد للتعذيب، هذه المرة في القاهرة في قسم حلوان. شاب اسمه حسام كمال عبد الباقي، لفق له ضابط تهمة حيازة 22 "تذكرة" من مخدر الـ"هيروين"، بحسب رواية ابن خالته حمدي عزيز.
الضحية الجديدة منع عنها الدواء والطعام داخل قسم الشرطة بالرغم من مرضه الشديد، حيث كان يعاني من نزف داخلي وهزال في جسده، فتوفي.
ضحايا التعذيب في مصر لم يتوقفوا بعد خالد سعيد. تختلف الأسماء وتتشابه القصص. النظام لم يتغير والقمع مستمر، والمقاومة أيضاً.
اليوم في كل المدن المصرية، يعتزم الشباب التجمع. يتذكرون شهيد التعذيب وأيقونة الثورة، ويحتجون على إهدار دمه مرة أخرى بإطلاق سراح قاتليه، وعلى استمرار جرائم التعذيب ووحشية الشرطة.
قامت الثورة، ولم ينته الظلم. قامت الثورة ولم ينته الاحتجاج. حرر دم سعيد مصر من نظام مبارك، وربما يحررها دمه هو ورفاقه من الشهداء من النظام الجديد الذي لم يأت بعد بحقهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق