Google+ Followers

الاثنين، 27 يناير، 2014

الأخطاء القاتلة للنخب العربية في الحكم والمعارضة - الأستاذ مهدي الجندوبي

http://www.raialyoum.com/?p=45512

كل شأن مصري عام على درجة من الأهمية هو بالضرورة شأن عربي لما يمكن أن يكون له من تبعات خارج مصر إن عاجلا أو آجلا.ما تعيشه مصر نموذج يمكن القياس عليه لما تعيشه أو ستعيشه بلدان عربية أخرى مع صيغ و ظروف مختلفة و لكن الأسس العميقة متشابهة إلى حد كبير.

التحاليل السياسية مهما كانت جدية و عميقة وحدها غير كافية لفهم مواقف و سلوكيات الأطراف الفاعلة في الحكم أو في المعارضة أو عند انتقالها من المعارضة إلى الحكم. و يعود إلى من يحملون المعرفة التاريخية أو الاجتماعية أو النفسية أو الاقتصادية المساهمة في شرح أداء الفاعلين السياسيين في الساحة المصرية و العربية و يعود إلى وسائل الإعلام الانتباه إلى ما يقولونه و تبسيطه و نشره بين الناس.

هناك بعض الأفكار البسيطة التي تحتاج كل نخبنا التي تتعاط الشأن العام، التأمل فيها و قد تظهر للبعض عموميات و لكنها منبع للعديد من الممارسات و هي وراء الكثير من الأحداث التي تشغل يوميا عقولنا.

النخب في الحكم و المعارضة لها ثقافة مشتركة للسلطة و كأنها منحة ألاهية يستحقونها لأنهم أرفع مرتبة من بقية المواطنين سواء لأصولهم الاجتماعية أو لعلمهم أو لشجاعتهم و تضحياتهم و لا يدركون أنهم يمارسون وظيفة هي ملك عام رمزي يتصرفون فيه وقتيا باسم الشعب صاحب السيادة الأصلية.

ممارسة السياسة ليست علما و لكنها تستفيد من العديد من العلوم و أهمها العلوم السياسية و التاريخ و علم الإدارة و القانون و غيرها، فهل تخصص نخبنا الحاكمة و المعارضة جزءا من وقتها لربط علاقة مثرية بين ممارساتهم و ما تحمله لهم الكتب من شروح و نصائح و حلول؟ طبعا ليس لهم الوقت. هل يجلسون مع العلماء كما ينصحهم بذلك القاضي الماوردي في “نصيحة الملوك” أو كما فعل الوزير في نهاية كل يوم عمل مع أبو حيان التوحيدي منذ ألف سنة تقريبا؟ ربما.

سياسة “الكل أو بلاش” هي الغالبة عند النخب العربية التي تحتاج إلى اكتشاف أسلوب تفكير آخر و هي إن نصف الحل أفضل من لا شيء و أن النصف الأول يفتح الباب إلى النصف الثاني و هذا ما يعرف بسياسة المراحل و هي رؤية يعتبرها البعض انهزامية و لكنها نظرة ثاقبة لعلاقة الإنسان بالزمن و القدرة على الانتقال من مستوى الرغبات و الذات إلى مستوى الفعل التاريخي. و الأمثلة عديدة: الجيش يحكم مصر منذ 60 سنة و البعض توهّم انه يستطيع إخراجه من اللّعبة في بضعة أشهر و هذا ما تسبب في فشل مناقشات بعد الثورة المصرية و قبل الانتخابات بين ممثلين عن الجيش و الإخوان و التيارات الديمقراطية و العلمانية و هي سبب تعقيدات الوضع المصري الحالي.

نخبنا بحاجة أيضا إلى تنمية عقلية التراضي و التوافق  (compromise )تنطلق من وعي أساسي أن إرادتي سواء كنت فردا أو جماعة ليست الإرادة الوحيدة لأن أمامي إرادات أخرى و هذا ما يسمى في علم النفس اكتشاف الغيرية و هي مرحلة من النضج النفسي عند الطفل و يمكن ترجمتها في السياسة بتشخيص و معرفة الأطراف الفاعلة الأخرى مثل الحلفاء و الخصوم و الأعداء و الحاجة إلى قراءة سليمة لموازين القوى التي لا تعرف استقرارا.

كل فعل أنساني هو توظيف لموارد و في السياسة إن أردت إخراج مظاهرة أو بناء سدّ فانك بالضرورة بحاجة إلى الناس تحفّزهم و توجّههم نحو الانجاز فيمنحونك ثقتهم ووقتهم و صحتهم و قد يمنحونك رقابهم و ما ملايين شهداء العرب في كل تحركاتهم منذ قرن إلا شاهد على ضخامة التضحيات. طبعا هناك تقسيم ادوار فضيع يجعل القادة أكثر حرصا على ذواتهم و أبناء ذواتهم فهم الرأس المسيّر و من الطبيعي أن نحمي القادة و يموت بدلهم المواطن البسيط. و لكن أليس من مسؤولية القائد حماية جنده و عدم المجازفة بهم و تسخير كل الذكاء و الجهد للتقليل من المخاطر التي يتّقدون حماسا لخوضها استجابة للواجب؟ فكم من مسؤول يطير نومه لأنه خسر مواطنا بسبب حساباته الخاطئة و رداءة قيادته؟ و لا أتحدث عن الوزراء فقط و لكن كل القيادات و الدعاة و أصحاب الرأي الذين يرسمون الأهداف و يدفعون نحو تحقيقها فيستجيب إليها المواطن الشاب بكثير من السخاء و بعض الغفلة.

تنتشر عندنا مقولة ابن خلدون حول العبر التي يستخرجها الإنسان من التاريخ و لكن هل فعلا لنا هذه القدرة على الاعتبار. كل ما عاشته الأجيال العربية من أحداث قاسية منذ قرن هل استطاعت النخب أن تهتدي به؟ انهيار الدولة العثمانية و تقسيم فلسطين و سقوط الملك فاروق و سنوات الجمر التي عاشها الإخوان و الحركات اليسارية و الديمقراطية في السجون و المهجر و كل الحركات الاجتماعية و الحالة العراقية بكل فصولها و المصير التراجيدي لرؤساء مثل القذافي و مبارك و بن علي…كلها صفحات مفتوحة لمن بريد و يعرف كيف يقرأ. السياسة لعبة خطرة و أول الضحايا من يتوهمون العصمة المزيفة التي يمنحها بروتوكول الحكم. و قد أبدع ابن المقفع في كتابه الأدب الصغير و الأدب الكبير عندما شبّه السلطان براكب الأسد الذي يخافه الناس و لكن راكب الأسد أخوف منهم لما يعرفه من تقلبات مركبه. و كم أخطأ قادتنا عندما حسبوا أنفسهم أسودا و نسوا أنهم يركبون وقتيا ظهر أسد السلطة.

يقول المثل الشعبي  في تونس “المتفرج فارس″ و من السهل نقد أداء النخب الفاعلة في الشأن العام في مرحلة تاريخية معقّدة. الله يكون في عونهم كلهم من في الوزارات و من في الشوارع و السجون. فهم ربان السفينة و هي في قلب العاصفة و مصيرهم مصيرنا و أخطاؤهم أخطاؤنا و نجاحاتهم خبز أطفالنا و أمننا و سعادتنا.

أستاذ جامعي تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق