Google+ Followers

الأربعاء، 30 أبريل، 2014

المجلس الوطني للصحافة ؟ في البحث عن النموذج الأصلح - الدكتور الصادق الحمامي sadok hammami




يناقش مهنيو قطاع الصحافة المكتوبة والإلكترونية في تونس إحداث مجلس صحافة.  لكن الغموض لا يزال يلف طبيعة هذا الهيكل الجديد ومهامه.
ما هو مجلس الصحافة ؟
مجلس الصحافة هيئة مستقلة تماما عن الدولة تتكوّن من ممثلين عن الناشرين (أصحاب المؤسّسات الصحفية) وعن الصحفيين وعن الجمهور. ويوجد مجلس الصحافة في أغلب الدول الديمقراطية العريقة والناشئة، باستثناء فرنسا.
 ويقوم مجلس الصحافة بمعالجة الشكاوى التي يتقدم بها المواطنون والمتصلة بما يكتبه الصحفيون. ولا تستند معالجة الشكاوى على القوانين بل على المواثيق الأخلاقية. كما لا يمثّل المجلس هيكلا لممارسة الرقابة على الصحفيين أو للتدخل في الشؤون الداخلية للمؤسسات الصحفية. والمجلس بهذا المعنى محكمة شرف وليس محكمة قضائية عادية إذ لا يصدر المجلس في أغلب الأحيان عقوبات مالية أو قرارات بإيقاف الصحف
.  
كما يسعى المجلس إلى فض الخلافات بين الصحفيين والمواطنين عبر الوساطة حتى لا تطرح على القضاء.  وعلى هذا النحو يجسّد  مجلس الصحافة مبدأ مسؤولية الصحفيين إزاء الجمهور، بما أنهم يخضعون دون إكراهات خارجية  إلى المسائلة.
كما يقوم المجلس بتطوير المواثيق الأخلاقية والدفاع عن حرية الصحافة. وبهذا المعنى يمثل مجلس الصحافة الإطار الأمثل لتفعيل مبدأ التعديل الذاتي الذي يقتضي أن يدير المهنيون قطاعهم بأنفسهم  لمنع تدخل  الدولة فيه أو السيطرة عليه.
تصور أولي لمجلس الصحافة التونسي
يدافع البعض من المهنيين عن مقاربة مخصوصة لمجلس الصحافة التونسي تتمثل في إنشاء هيئة في شكل جمعية مهنية تجمع المنظمات النقابية الممثلة للصحفيين والناشرين (أصحاب المؤسسات الصحفية) في مجال الصحافة المكتوبة، إضافة إلى بعض منظمات المجتمع المدني.
ولهذه الجمعية- المجلس مهمة أساسية تتمثل في التوفيق أو الوساطة بين المواطنين من جهة أولى والصحفيين والمؤسسات الصحفية من جهة ثانية، إذ يدرس المجلس شكاوى المواطنين المرفوعة ضد الصحفيين ويبدي رأيه فيها.
كما يهتم المجلس، حسب هذا الطرح، بتطوير مواثيق العمل الصحفي والدفاع عن الحريات الصحفية والصحفيين ورصد انتهاكات الأخلاقيات الصحفية.
وفي مستوى التمويل يستثني هذا التصور المجموعة الوطنية من مصادر التمويل الذي يتأتى من مساهمات الهياكل النقابية المؤسّسة للمجلس ومن المؤسّسات الصحفية ومن أنشطة المجلس ومن المساعدات والهبات أو من شركاء من الخارج.
وعلى هذا النحو فإن هذه المقاربة توكل للمجلس مهاما محدودة جدا متصلة أغلبها بمجالات الأخلاقيات والحريات الصحفية، على أن يكون المجلس قوة ضغط على الصحفيين والمؤسّسات لدفعهم إلى احترام أخلاقيات المهنة. 
سياقات الصحافة التونسية المخصوصة 
السؤال الآن هو الآتي: هل تمثل هذه المقاربة الحلّ الأحسن بالنسبة إلى الصحافة التونسية ؟ أي بتعبير آخر هل يجب الاكتفاء بهيئة تختص فقط بالأخلاقيات وبالدفاع عن حرية الصحافة ؟ وهل يمكن لهذه الهيئة، بالنظر إلى مهامها أن تساهم في تطوير الصحافة التونسية المكتوبة ؟ وهل يجوز لنا القول أن هذه المقاربة لا تتفاعل بالقدر الكافي مع خصوصيات السياق التونسي ومع البيئة الخاصة بالصحافة التونسية ؟ فتجارب مجالس الصحافة في العالم تتسم بالتنوع الشديد مما يدل على أن أفضل المقاربات هي التي تبحث عن نموذج تتفاعل فيه المعايير الدولية وخصوصيات السياق التونسي.
إن مشروع إنشاء مجلس صحافة تونسي يندرج في سياق تشكو فيه الصحافة التونسية من ضعف هيكلي مزمن. فالصحافة التونسية هي عبارة عن جسد مريض وعليل. ولا تمثّل الإشكالية الأخلاقية سوى أحد أبعاد هذا الوهن العام، فعدم احترام الأخلاقيات ونقص المهنية ليسا سوى أعراضا للأمراض المزمنة التي تنخر جسد الصحافة التونسية.
إن مظاهر الضعف في الصحافة التونسية عديدة ومنها خاصة:
في مستوى الصحفيين
- أوضاع اجتماعية ومهنية صعبة يعيشها الصحفيون في مستوى ظروف العمل والأجر، في الوقت ذاته الذي يتعاظم فيه الاعتراف بأدوارهم الاجتماعية والثقافية والسياسية باعتبارهم السلطة الرابعة الضرورية للديمقراطية.  لكن الصحفيين لا يجنون ثمار هذا الاعتراف بأدوارهم.
وفي مستوى  القطاع
- موارد بشرية محدودة جدّا في المجالات المتصلة بصناعة المنتج الصحفي (الإدارة، التسويق، التوزيع، التصميم)
- نسيج صناعي يتكون من مؤسّسات متوسطة أو صغيرة أو حتى صغيرة جدا Micro enterprises ومنظومات إنتاج لا تزال في أغلبها غير صناعية وحرفية. 
- نماذج اقتصادية modèles économiques  غير مبتكرة وموارد غير متنوعة (محدودية الاشتراكات)  وشبكة توزيع قديمة وغير متطورة.
- محدودية شفافية التمويل وسوق إشهارية محدودة جدّا وجمهور غير وفيّ ومتقلب volatile.
وإضافة إلى مظاهر الضعف هذه يمكن الإشارة كذلك إلى غياب تقاليد راسخة في مجال الحوار بين الجمهور والصحفيين  وإلى محدودية ثقافة التعاون بين الناشرين والصحفيين.
لماذا نحن بحاجة إلى حوكمة جديدة للصحافة التونسية ؟
تدعونا هذه الخصوصيات إلى التفكير في مقاربة مختلفة لمجلس الصحافة التونسي دون التفريط في مبادئ التعديل الذاتي. فأزمة الصحافة التونسية أزمة عميقة وشاملة. ولا تمثل التجاوزات الأخلاقية سوى أعراضا لهذه الأزمة وليس سببا لها. ومن هذا المنظور فإن اختصاص مجلس الصحافة في المسألة الأخلاقية فحسب قد يكون اختصاصا في معالجة الأعراض.
فكيف يمكن للصحفي أن يكون مهنيا ومحترما لأخلاقيات المهنة ومستقلا وكفئا وهو يعمل في بيئة لا يحقق فيها اعتباره المهني والاجتماعي؟ وكيف يمكن للمؤسسات الصحفية أن تلتزم بمعايير الصحافة الجيدة وهي مؤسّسات هشة، ذات موارد محدودة، غير قادرة على الابتكار،  تتهددها المخاطر،  مما يجعلها في أحيان كثيرة عير قابلة للاستمرار ؟
ما هي إذن الرهانات الكبرى،  إضافة إلى رهان الأخلاقيات،  والتي لا يمكن لمشروع مجلس الصحافة التونسي أن يغفل عنها؟ 
الرهان الأول.  إعادة الاعتبار للصحفي التونسي.
يكتسب الصحفي مكانته المركزية في المجتمع باعتباره وسيطا أساسيا للمجال العمومي الديمقراطي (بما أنه يدير النقاش العام) وباعتباره منتجا للأخبار التي يحتاجها المواطن لمعرفة الواقع وبناء آرائه وأخذ القرارات. ولا يمكن للصحافة الجديدة الديمقراطية المهنية المحترمة للأخلاقيات أن تقوم دون صحفي يحظى بمكانة اجتماعية ورمزية عالية على غرار الطبيب والقاضي.
إن إعادة الاعتبار للصحفي يجب أن تقوم على تأهيل المؤسسات الصحفية ووضع آليات مضبوطة للنفاذ إليه وتحسين الوضع الاجتماعي للصحفيين وظروف العمل للصحفي.
الرهان الثاني: بناء الصحافة المهنية
لا يمكن إعادة الاعتبار للصحفي وترقيته مهنيا واجتماعيا دون تحديث المؤسسة الصحفية وإعادة تأهيلها صناعيا. فالمهنية ليست خصلة يكتسبها الصحفي بشكل فردي، إذ لا يمكن للصحفي أن يكون مهنيا في مؤسسة غير مهنية ولا يمكن له أن يقدم منتجا جيدا في مؤسّسة لا تتوفر فيها شروط الإنتاج المهني.
كما لا يمكن للصحفي أن يحترم أخلاقيات المهنية في مؤسّسة تقوم على نموذج اقتصادي لا يحفظ استقلاليتها ولا تتوفر فيها آليات التعديل الذاتي الداخلي.
إن الصحفي المهني والمؤسسة الصحفية المهنية ذات التنظيم العصري هما بعدان متلازمان. فالصحفي ذي التكوين الجيد العالم بأصول المهنة (معايير الكتابة، والضوابط الأخلاقية) يعمل بمؤسسات صحفية قوية ومتطورة. وفي هذا الإطار لا تكون للمسائلة (والمسؤولية)، التي يسعى المجلس لتكريسها، مشروعية كاملة إلا في بيئة تتوفر فيها إمكانات الصحافة الجيدة. ولا يمكن لهذه الصحافة الجيدة أن تكون دون تأهيل كامل للمؤسسات الصحفية يشمل الإدارة والتنظيم والتحرير والتسويق والتوزيع والبنية التحتية التكنولوجية...
الرهان الثالث: التكلفة المجتمعية للصحافة الجيدة
يطالب المجتمع التونسي بصحافة مهنية وأخلاقية وجيدة دون أن يوفر لهذه الصحافة الموارد لتطوير نفسها. فالصحافة ليست نشاطا اقتصاديا ككل الأنشطة الأخرى لأنها ذات صلة وثيقة بطبيعة الحياة السياسية الديمقراطية وبالمجال العمومي.
فالديمقراطية الأصيلة والمجال العمومي القائم على الشفافية والمشاركة والنقاش العام تقتضي صحافة جيدة. ولهذه الصحافة الجيدة تكلفة لا بد للمجتمع التونسي أن يقبل بتحمّلها.
فالتجارب الديمقراطية تبين أن للدولة دور في بناء الصحافة الجيدة في سياق أضحت فيه الصحافة المكتوبة مهددة في وجودها. ففي العديد من الدول الأوروبية تتمتع الصحافة بمنظومة متعددة الآليات تساعد من خلالها الصحافة المكتوبة. وتعتبر هذه المساعدات وسيلة من وسائل حماية المجتمع والديمقراطية من الصحافة الرديئة.
   وفي هذا الإطار أطلق يورغن هابرماس فيلسوف المجال العمومي عام  2007 نداء لإنقاذ الصحافة الجيدة الألمانية حتى لا تصبح فريسة لمنطق السوق وطالب بكل صراحة أن تنقذ الدولة الصحافة الجيدة لأنها أساسية للمجال العمومي ولأن إنتاج الأخبار والخبرة الصحفية كما يقول هابرماس ليست عمليات مجانية .
كما أقرت منظمة المادة 19 أن مساعدات الدولة ضرورية في عديد الدول لتأمين التعددية في قطاع الصحافة المكتوبة .   
نحو حوكمة جديدة للصحافة التونسية تقوم على مبدأ التعديل الذاتي الشامل
يتصل الرهان، الذي على المهنيين التفكير فيه، بتصوّر مجلس صحافة يقوم على نموذج فريد تتفاعل فيه المعايير الدولية في مجال التعديل الذاتي ومتطلبات إنقاذ الصحافة التونسية المكتوبة التي تعيش أزمة قد تؤدي إلى اندثارها على المدى المتوسط.
وانطلاقا من هذا الهدف، يمكن أن نتصور إطارا لحوكمة جديدة للصحافة تقوم على التعديل الذاتي الشامل، أي أن يكون  لمجلس الصحافة، إضافة  إلى مهام الوساطة والتوفيق (المتصلة بمعالجة الشكاوى) والدفاع عن حرية الصحافة ورصد الانتهاكات ووضع المواثيق الأخلاقية، مهام أخرى تتعلق بالتأهيل الشامل للقطاع، صحفيين ومؤسّسات صحفية، في سياق غياب سياسة عمومية لتطوير القطاع.
وفي هذا الإطار،  يمكن أن يكون المجلس هيئة وطنية مستقلة تصدر بقانون على أن يعين كل أعضاءها وجوبا المهنيون أنفسهم دون أي تدخل الدولة مما يعطي لقرارات المجلس الفعالية والمشروعية الضرورية.
وعلى هذا النحو تقوم هذه الهيئة المستندة على مبدأ التعديل الذاتي الشامل والكامل، لأنها نابعة من القطاع فقط،  بوظائف مجلس الصحافة التقليدية  (مسائلة الصحفيين عبر معالجة الشكاوى عبر آليات الوساطة والتفاوض، صياغة المواثيق الأخلاقية والمعايير المعتمدة في المهنة)، إضافة إلى وظائف أخرى مخصوصة يتطلبها السياق التونسي ومنها أن يكون للمجلس دور أساسي في :
- إدارة الإشهار العمومي عبر وضع المعايير الموضوعية الدقيقة المعتمدة لتوزيعه على الصحف.
- وضع السياسات العامة لمساعدة المؤسسات الصحفية (ربط هذه المساعدات المباشرة وغير المباشرة بالمعايير المعتمدة عالميا كالتي أشارت إليها منظمة المادة 19 وبمعايير أخرى أهمها التزام المؤسسات بترقية أوضاع الصحفيين و إنشاء آليات التعديل الذاتي الداخلي في المؤسسات الصحفية على غرار وظيفة الوسيط والمواثيق الأخلاقية والتحريرية الداخلية...) 
- تركيز الآليات الضرورية لتأهيل القطاع (كأن يساهم في تركيز نظام لقيس التوزيع باعتباره أهم آلية لترشيد الإشهار )
- ضبط معايير إسناد بطاقة الصحفي في مجال الصحافة المكتوبة حتى يساهم في تحسين آليات النفاذ إلى القطاع. 
وعلى هذا النحو فإن توسيع مهام المجلس يتيح له مشاركة فاعلة في تأهيل القطاع ومساهمة أكبر في تطوير الصحافة الجيدة سواء أكانت تجارية أو عمومية أو حتى حزبية ومساعدتها بشكل فعلي. كما تساهم هذه المهام ذات الصلة بإدارة القطاع في إعطاء المجلس صلاحيات فعلية.  
وفي هذا الإطار فإن الاعتماد على الموارد الذاتية للقطاع قد لا يمثل حلا جيدا ومستديما للمجلس. كما أن تمويل المجلس من أطراف خارجية قد يمثل مصدرا لمخاطر عديدة لعل أهمها مدى قبول الصحفيين والمؤسسات الصحفية بقرارات هيكل تموّله قوى خارجية في مجال ذي رمزية هامة جدا. إذ كيف يمكن لهيكل يدافع عن استقلالية الصحافة أن يمول بأموال خارجية ؟ هكذا يصبح التفكير في تمويل المجلس من المال العام أمرا مشروعا على أن تضبط آليات هذا التمويل بشكل يمنع التدخل السياسي.

الصحافة والمجتمع: نحو عقد جديد
إن إنشاء مجلس صحافة يعتبر آلية أساسية وضرورية لتطوير القطاع. وفي المقابل قد لا يجني القطاع فائدة كبرى من مجلس يشتغل كمحكمة شرف فقط في قطاع يكاد ينهار.
إن المقاربة الأصلح هي تلك التي تمزج بين المعايير الدولية والخصوصيات التونسية. وتقتضي هذه الخصوصيات حسب رأينا أن يكون تأهيل القطاع هو المدخل الرئيس لمعالجة قضايا المهنية والأخلاقيات. فالإصلاح الحقيقي أما أن يكون هيكليا أو لا يكون.
ولأن الصحافة المكتوبة ضرورية للمجتمع وللحياة الديمقراطية فإن الإصلاح بواسطة مجلس الصحافة يمكن أن يكون أيضا موضوعا لعقد جديد يلتزم فيه المجتمع التونسي بمساعدة القطاع على تأهيل نفسه بنفسه في إطار فلسفة التعديل الذاتي   الشامل والكامل على أن يلتزم المهنيون بتوفير صحافة جيدة للتونسيين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق