Google+ Followers

الأربعاء، 18 يونيو، 2014

أجيبونا من فضلكم: لماذا لم تتدخل امريكا عسكريا عندما “حررت” “الدولة الاسلامية” محافظة الرقة السورية ؟ - عبد الباري عطوان


فجأة، وفي اقل من سبعة ايام، وبالتحديد منذ انهيار قوات الجيش العراقي (30 الفا) امام تحالف الدولة الاسلامية وفصائل اخرى (قوات بعثية وجيش المجاهدين) بدأ العالم كله يحشد قواته، واجهزة اعلامه، لاسقاط امبراطورية “داعش” التي اصبحت تشكل خطرا وجوديا على امن العالم وسلامته واستقراره في نظر امريكا واوربا.
قوات الدولة الاسلامية نفسها تقاتل لاسقاط النظام السوري منذ عامين، واحتلت محافظة الرقة، وجوارها، وهي مماثلة لمحافظة نينوى وعاصمتها الموصل، في المساحة وعدد السكان تقريبا، واعدمت قوات سورية بلا رحمة وبدم بارد، ووثقت ذلك في اشرطة فيديو بثتها على مواقعها الخاصة على “اليوتيوب”، ومع ذلك لم يتحرك العالم بأسره ويحشد قواته، ويعقد اجتماعات مكثفة لقياداته الامنية والعسكرية لبحث هذا الخطر الداهم، ولم يستنفر الاعلام الغربي وقنواته وهو الذي اهمل العراق طوال السنوات العشر الماضية
.
نسأل وبكل براءة: لماذا لم يضع الرئيس باراك اوباما جميع الخيارات، بما فيها الخيار العسكري، على الطاولة عندما اقامت الدولة الاسلامية (داعش) امارتها في الرقة، وطبقت الشريعة الاسلامية، واعدمت من يعارضها من الفصائل الاسلامية الاخرى بما في ذلك جبهة النصرة التي تتبنى افكار القاعدة نفسها؟ ولماذا تسارع الولايات المتحدة للصلح مع ايران والاستعانة بها، والتنسيق معها لاجتثاث “داعش” من العراق وليس من سورية مثلا؟ هل لان العراق غني بالنفط بينما سورية غنية بالفستق الحلبي و”الايس كريم” الشامي اللذيذ؟

***

ايران حتى قبل اقل من عام كانت حلف الشيطان في نظر الامريكيين وحلفائهم الاوروبيين، وامريكا كانت “الشيطان الاكبر” في نظر الايرانيين، وكانت جميع الخيارات الامريكية والعربية لضرب ايران مطروحة على مائدة الرئيس اوباما الذي ارسل اربع حاملات طائرات، وغواصات مزودة بصواريخ نووية الى مياه الخليج الدافئة المضيافة، فما الذي حدث بالضبط حتى تنقلب المعادلات ويتحول الاعداء الى حلفاء؟
السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق كان المفضل امريكيا لاعادة بناء الدولة العراقية، وتدخلت الولايات المتحدة ووضعت كل ثقلها خلفه للقيام بهذه المهمة، وابعدت التحالف السني الشيعي (العلماني) بقيادة الدكتور اياد علاوي الذي حصل على نسبة اعلى في الانتخابات البرلمانية، الآن تتهمه امريكا، اي السيد المالكي، بانه هو الذي يدمر الدولة العراقية، رغم انه لم يبن اي شيء في العراق على مدى ثماني سنوات من حكمه المطلق حتى يعكف على تدميره، فلا ماء (في العراق نهران وليس نهرا واحدا) ولا كهرباء، ولا امن ولا صحة ولا استقرار، ولا تعايش ولا امل، فقط تحريض طائفي بغيض، وانقسامات حادة بين السنة والشيعة، وبين السنة انفسهم والشيعة انفسهم ايضا، ومن يشكك بقولنا عليه مراجعة تصريحات السيد مقتدى الصدر عن ديكتاتورية السيد المالكي وحكمه.
الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية قال في شهادة له امام الكونغرس “ان القوات العراقية القت سلاحها في الموصل وهربت لانها كانت متيقنة ان حكومة المالكي غير منصفة في معاملتها لاهالي المدينة”، بينما وضع تشاك هاغل وزير الدفاع الامريكي كل اللوم على “الدولة الاسلامية” والمالكي ايضا لان الاخير لم ينجح في تشكيل حكومة وحدة وطنية في العراق.
مسلسل طويل من الكذب والتضليل والخداع، نشاهد حاليا الحلقة الاولى منه، ومن المؤكد ان الحلقات الاخرى ستكون اكثر اثارة للقرف والغضب معا، لان المشرفين على هذا المسلسل تحالف عراقي ايراني امريكي بريطاني عربي، ونحن العرب والمسلمين، شيعة وسنة، الضحية الاكبر دون جدل.
السيد هوشار زيباري وزير الخارجية العراقي اعلن امس في مدينة جدة حيث كان يشارك في اجتماعات وزراء خارجية منظمة التعاون الاسلامي (منظمة فاشلة بكل المقاييس ولا يستفيد منها او يسمع بها غير العاملين فيها وتديرها السعودية) “ان الحكومة العراقية (منتهية صلاحيتها) طلبت رسميا مساندة واشنطن لتوجيه ضربات جوية للجماعات “الارهابية” طبقا للاتفاقية الامنية الموقعة بين البلدين.
السيد زيباري يكذب في وضح النهار، انه لا توجد اتفاقية امنية بين البلدين، لسبب بسيط “صفق بعضنا له” وهو ان حكومة المالكي رفضت توقيع هذه الاتفاقية لانها تنص على بقاء قوات امريكية في العراق، الامر الذي اصاب اوباما بالغيظ والحرد، وقرر سحب هذه القوات جميعها في عام 2011، وتباهى السيد المالكي وانصاره بهذا الانتصار.
امريكا ستتدخل عسكريا في العراق، وستوجه ضربات جوية، بطائرات بدون طيار (الدرونز) او باخرى بطيار، لتصفية قوات الدولة الاسلامية وحلفائها في الموصل وتكريت والفلوجة وتلعفر وتمنع تقدمها نحو بغداد، سواء بطلب من حكومة المالكي او بدونه، فاذا كان الجيش العراقي الذي جرى انفاق عشرات المليارات من الدولارات على تدريبه وتسليحه ويضم اكثر من 600 الف عنصر فر من امام قوات “داعش” وحلفائها بملابسه المدنية، فهل تستطيع حكومة المالكي منعه، اي سلاح الجو الامريكي، من توجيه هذه الضربات؟ واذا كانت هذه الحكومة عاجزة عن حماية مدن بلادها وشعبها بغض النظر عن مذهبهم الطائفي فهي لا تستحق حكم العراق.
من المفارقة ان الطائرات الامريكية باشكالها كافة التي ستضرب القوات التي استولت على الموصل، ستنطلق من قواعدها في دول “عربية خليجية” تقول قيادتها جهارا انها ضد التدخل العسكري الامريكي في الشأن العراقي، وتدعم قوات الدولة الاسلامية وحلفاءها بشكل مباشر او غير مباشر، ونحن نتحدث هنا عن السعودية وقطر دون اي مواربة، ونسمي الاشياء باسمائها.
***
نحن امام “مؤامرة” ثالثة، غير المؤامرة الاولى في سورية، والثانية في العراق التي تحدث عنها السيد المالكي في خطابه الاخير الذي بثته قناة العراقية، واعترف فيه ان قواته تعرضت الى “نكبه” ولكنها لم تهزم، وبدأت تستعيد زمام المبادرة، وهذه المؤامرة الثالثة هي لزيادة قوة وحرارة لهيب الحرب الطائفية التي اشتعلت وستحرق المنطقة كلها، بما فيها ايران وتركيا، وليس الدول العربية وحدها، ولن تفرق نيرانها بين شيعي وسني فالكل سيكون حطبها والايام بيننا.
امريكا تدخلت في المرة الاولى لتدمير العراق لمصلحة اسرائيل، فحصلت على حكومة طائفية، ومقاومة شرسة ضدها واخيرا تنظيم الدولة الاسلامية، وها هي تستعد للتدخل عسكريا للمرة الثانية بعد عشر سنوات من اقامتها للعراق الديمقراطي الذي يتمتع شعبه بالرخاء والاستقرار باعتباره نموذجا تتمناه دول الجوار العربي، ترى ما الذي ستحصل عليه بعد هذا التدخل الى جانب تقسيم هذه البلد الى عدة كيانات يحكمها امراء الطوائف الجدد؟
امريكا ستضرب من الجو على ارتفاع ثلاثين الف قدم، بينما الذين سيدفعون ثمن هذه الفتنة هم الذين يتواجدون على الارض اي العرب السنة والشيعة، الذين سقطوا وهم في كامل وعيهم وبأعين مفتوحة، في المصيدة الامريكية الجديدة. هل نحن نمثل خير امة خرجت للناس؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق