Google+ Followers

الاثنين، 23 يونيو، 2014

مارسيل خليفة يوجّه رسالة الى سمير جعجع - البارحة رأيتك في التلفزيون تكبح رغبة الدمع في التفجّر ، رغم أنك حرمتني من القاء نظرة على وجه والدي لأحتفظ بأسرار الروح .



وجَّه الفنان اللبناني مارسيل خليفة رسالةً  إلى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، بعد وفاة والده فريد جعجع.

وهذه هي رسالة خليفة الى جعجع حرفياً:
إلى د . سمير جعجع
ليس كلاماً ما احاول بوحه
إنه حبر الروح
إنه بكاء القلب
إنه همس الغياب ، لوالدي ، الذي أحببته بعمق . . .
اقاسمك الحزن على غياب والدك . لأني اعرف هذا الحزن الذي لا يعرف الرحمة . حزن مثل هذا ليس سهلاً التفاهم معه
.
البارحة رأيتك في التلفزيون تكبح رغبة الدمع في التفجّر ، رغم أنك حرمتني من القاء نظرة على وجه والدي لأحتفظ بأسرار الروح .
لقد مضى والدي وحيداً ولم استطع أن أمشي في جنازته إلى تراب الورد .
لديّ من الشجن ما لا يوصف ، ولو كان لشجن الروح صوت لتحتّم سماعه .
لم يبق إلاّ صورة تتوهّج الذاكرة كلمّا شعّ فيها طيف والدي الذي رحل الى سرير الارض .
حتى هذا الموت القاسي لا يقدر على مصادرة حق الحب ، مثلما يفترق العشّاق ليبقى الحب
بقي والدي يحرس البيت ، كان كالحلم المتمرّس بالوردة في غابة من فولاذ . قوتّه هشّة ، ولكنّها لا تخذله مثل غصن يميل مع الريح ولا ينكسر .
أتذكر مليّاً مسار القطار الطويل الذي حملني ليلاً من ضيعتي الهادئة الى تلك المدن البعيدة ، الصاخبة .
تركت عمشيت قسرآً وتركت فيها والدي وعيناه مغرورقتان بالدمع . رحلت صوب الشرق وظلّ يتبعني بعينيه . انحدرت مع الوادي ، ثمّ صعدت تلك الرجمة وانحدرت ثانية الى ارض مشاع بدون أن ألتفت الى الوراء .
وسهرنا سويّة ليلة رأس تلك السنة في بيروت حتى الصباح . ولم نصدق اننا سنلتقي . تطلعت الى وجهه الحاني والى الخطوط التي انحفرت عميقاً فيه ، ولكن عينيه كانت تبرقان من فرح اللقاء وتقولان كلاماً كثيراً . ودمع دون خجل لنقرة العود وكما كنّا نحتفل في قبو جدي منذ زمن وعزفت ، وآخ . . . ما اسرع ما تبدد الزمن الآمن .
أين ولّت تلك الايام ؟ أين ؟ ورنّ في مسمعي من جديد تطييبات والدي المعهودة : الله ... الله
كانت ساعات حميمة قضيتها مع والدي وفي اليوم التالي حزم متاعه ولملم حوائجه القليلة ، واستعد للعودة الى عمشيت
حمل معه أيامه وذكرياته واللحظات الحلوة وعاد سيراً على الاقدام من بوابة المتحف
وفي ٢٤ شباط لسنة ٨٩ سار الموكب بطيئاً ، بطيئاً في عمشيت على ايقاع الجرس الجرس الحزين .
لقد رحل ميشال " القفص " كما رحلت ماتيلدا ـ أمي
لقد عزفت للعالم كله إلاّ لموت ابي الذي اشتهى كل شيء في حياته ولم يحصل على شيء .كان ينتظر رجوعي كل يوم عند الكوع حتى رحل محزوزاً .
محزوزاً بقفصه ، لم تسعفه الظروف على الخروج من هذا القفص ، والموت سلخه إلى قفص آخر . هل حكم على والدي أن يحيا في قفص ويموت في قفص ؟
أتذكر عندما طردت من ضيعتي في بداية الاحداث ، زاره صديقي جورج وبادره والدي من بعيد
" لقد أقفر البيت لأول مرّة من وجوه من أحببت ، لقد تبدّل كل شيء . شجرة الكينا أمام الدار نزفت ورقها الاصفر حتى الموت . يبست اللوزة في الجل الخلفاني . تجعدّت الحيطان من حولنا ونسي اللوز في الربيع أن يزهّر وزلزلت الارض تحت الاقدام ورحت أنتظر رسالة ، خبراً ، كلمة من وراء البحر "
فردّ جورج على والدي مطمئناً : فترة زغيري يا ابو مرسيل وبتمضي وكل شي بيرجع لحالو
صدّق والدي كلام جورج . ولكن بعد سنتين مرّ جورج لزيارة والدي فبادره من جديد : مرق الصيف ، وخلفه صيف آخر ، برد الطقس ، سربت العصافير ، وقصفت الريح ثلوج شجرة الكينا . كانون قاسي بلا نار ، بلا أحباب . إن تصح ، يلسعك الغياب وان تنم ، تسرب الوجوه غزلان صحراء لتشرب تحت الجفن من ماء العين
عيل صبره ، ضجر ، صرخ ، كفر ، انزوى ، صمت ، وعيونه على البحر . لا قلوع أبيض في الافق ، وملح عينيه يزيد الازرق ملحاً
من مرة لمرّة كان يأتي جورج ويواسيه : شو صار لك يا زلمي ؟ شدّ حالك ، كن قوياً . يا ابو مرسيل ، لا تجعل من انتظارك الطويل سفراً الى واحة من سراب . إنه الليل وسيرحل قريباً
سمع في صوت جورج نبرة صوت من ينتظر . هبّ من فراشه ، طرد الطبيب . حطم زجاجات الدواء . خرج الى الشمس . خفق قلبه . جمع كل الورق اليابس تحت صاج الفرح ، ليخبز حياة جديدة
بقي والدي شهوراً وسنين على عتبة الدار أمام الكوع ، يصحو باكراً ، ينام متأخراً لئلا آتي واجده نائماً
لأيام كان يصر : لا بدّ غداً . . .
لأشهر تمنى : هذا الشهر
وأخيراً صار يسأل : هل يأتي السنة ؟
جفّت عروقه وتراً وتراً . وتخّت عظامه قصبة قصبة ، وتراخى جلده خريطة يأس وقهر وانكسار
على الدروب سعف نخيل وغصون زيتون . أرى أولاداً وشموع . أسمع هزيجاً ورجع أجراس ، الصبايا خرجن وفي ايديهن ارزّاً وزهراً . الموكب يقترب والنشيد طالع من الارض وأنا ذئب شوق إلى يديك ، إلى جبينك ، إلى وجنتيك
لكن أبي سئم الانتظار الطويل واطبق جفنيه وشفتيه على اسم من أحب
الصبايا لبسن السواد . سعف النخيل أكاليل ، والموكب بطيء بطيء على ايقاع الجرس الحزين
وأنا أحمل وجعه في صدري وحسرته تأكل قلبي وعيناي على حاجز طريق عمشيت
علمني حبّه الصدق.
مرسيل خليفة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق