Google+ Followers

السبت، 28 يونيو 2014

الشهادة أمامَ الحلم: عن الموت في سجون الصهيونية  سيف دعنا


لدينا فرصة واحدة فقط. إلى السلاح أيها المواطنون»
كميل ديمولان عشية اقتحام الباستيل

إلى مجدي الريماوي، بطل 17 اكتوبر، في سجنه – قسماً سنرى طلوع القمر

هل تعرفون كيف اقتحموا الباستيل؟

كان سهلاً جداً اقتحام الباستيل. في اليوم الأول، في الثاني عشر من تموز 1789، اعتلى كميل ديمولان أحد رموز الثورة الفرنسية واليعاقبة وصديق روبسبير ودانتون الحميم، طاولة خشبية أمام أحد مقاهي باريس، «كافيه دو فوى». كان يحمل بيده مسدساً وخاطب الآلاف من الثوار قائلاً: «ليس لدينا وقت لكي نضيعه
.

لدينا فرصة واحدة فقط. إلى السلاح أيها المواطنون». في اليوم التالي، اقتحم الثوار مبنى المتحف الحربي وتزودوا بالسلاح. وفي اليوم الثالث، حوالى الساعة الواحدة والنصف من 14 تموز، اقتحموا الباستيل. استمر الاشتباك حتى الساعة الخامسة والنصف حين استسلم حراس السجن بعد أن أظهر المهاجمون إصراراً وعناداً على الاقتحام، حتى بعد سقوط ثمانية وتسعين منهم بنار مدافع السجن. وهناك، في الباستيل، وجد الثوار سبعة معتقلين فقط، والكثير من السلاح والبارود. لكن رمزية اقتحام تلك القلعة مثلت روح الثورة الفرنسية بمجملها. مَثَّلَ اقتحام الباستيل روح الشعب. فالباستيل كان رمزاً للملكية واضطهادها وللنظام القائم منذ ألف عام خلت، إن لم يكن رمز لكل أوروبا القديمة التي دخلت بعد ذلك اليوم الاستثنائي عصر الثورة. انطلقت الثورة، وبعدها بعام واحد فقط، في 14 تموز 1790، لم يكن قد بقي أي أثر على الإطلاق لتلك لقلعة المسماة «الباستيل» إلا في اللوحات التي تخلّد ذلك اليوم.
الذين اقتحموا الباستيل واستشهدوا هناك، عرفوا جيداً أن السجن يمثل أكثر بكثير من مجرّد مكان للاعتقال. لهذا السبب بالذات اعتمدت الجمهورية الفرنسية ذكرى سقوط الباستيل يوماً وطنياً وتَضَمَّنَ نشيدها الوطني عبارات ديمولان (إلى السلاح، أيها المواطنون/ شكلوا كتائبكم/ فلنزحف فلنزحف/ وليشبع تراب أرضنا من دمائهم القذرة). السجن ليس مكاناً للاعتقال فقط، السجن رمز للصراع الكبير الذي يدور في الخارج. وفي حالة الاستعمار، كحالة فلسطين، يأخذ السجن معنى إضافياً أيضاً. ففي السجن يعلن الأسير رفضه وتحديه ليس للاستعمار فقط، بل ولمرحلة كاملة وبشعة من التاريخ الإنساني تقترب في جوهرها من العبودية، إن لم تكن أبشع. لذلك، واهم من يظن أن الصراع هناك هو على الطعام والملابس و«ساعة الفورة».

كل بقاء يكون بعده فناء لا يعوّل عليه

«من المؤكد أن الجسد يكافح كفاية (للحصول على الطعام)، ولكن في نهاية الأمر، كل شيء يعود إلى الاعتبار الأول، إلى العقل. العقل هو أهم شيء، هذا ما كتبه بوبي ساندز شهيد أحد أهم إضرابات المناضلين الايرلنديين عن الطعام في سجون الاستعمار الإنكليزي، في «مذكرات السجن» في اليوم السابع عشر لإضرابه عن الطعام. بعدها بيوم واحد توقف ساندز عن الكتابة، فلم نعرف كيف كان سيروي تجربة الأيام القاسية التي تأتي لاحقاً كما عاشها واختبرها هو. لكننا عرفنا من القليل الذي تمكن من كتابته عن الأيام السبعة عشر الأولى كيف يفهم الأسير المضرب التجربة وكيف يرى ما يقوم به. عرفنا كيف ينتصر العقل على الجسد الذي يصطف مع السجان في صراع مرير، كيف ينتصر الأسير على السجان، وعرفنا أيضاً أنه لا يمكن مطلقاً اختصار التجربة كلها بالجوع والامتناع عن الطعام فقط.
في صراع العقل مع الجسد كتب ساندز كإنسان يجوع ويتعب ويتألم ويشتهي الطعام، لكنه واجه معركة اصطفاف الجسد مع السجان كثائر من طراز فريد. «يُنعش الجوع الخيال»، يقول ساندز في الأيام الاولى، لهذا ذكر في اليوم الخامس أنه كان يرى الطعام ويتخيله وكأنه ينظر إليه. كان ساندز «يتجاهل نظرة الطعام إليه»، رغم رغبته بتناول «الخبز البني والزبدة والجبنة الهولندية والعسل». لكن هذه المعركة الشرسة تنتقل إلى مستوى آخر لاحقاً، يتجاوز كلياً الحاجة للطعام ويتجاوز كل حِيَلِ الخيال التي يمارسها الجسد على العقل في الأسابيع الاولى. المرة الأخيرة التي ذكر فيها ساندز الطعام كانت في اليوم الرابع عشر. ذكر مازحاً (وفي كل مزحة بعض الجد) كيف ينعش الجوع خياله وهو ينظر إلى الوجبة التي كان يُصِّرُ السجان على
وضعها أمام عينيه في محاولة لكسره. «كانت الوجبة تبدو أكبر بكثير من المعتاد» يقول، لكنه يطمئن رفاقه مازحاً أنه لن يخضع للإغراء وأنه سوف «يهرب لو هجم الطعام عليه». منذ اليوم الخامس كان ساندز يطرد كل هذه الأفكار بالقناعة القاطعة لمقاوم عنيد يعرف أن «طعام البشر لا يعطي الإنسان الخلود إلى الأبد».
وفي اليوم السابع عشر يُحدد ساندز معنى صراع الإضراب عن الطعام بدقة متناهية، مؤكداً أن الصراع ليس فردياً ولا شخصياً على الإطلاق، وإن كان قد كتب في اليوم الرابع كيف تكفل البطولة، لا طعام البشر، الخلود. يحسم ساندز أيضاً أن الصراع ليس على مطالب محددة بذاتها، بل على ما هو خلف هذه المطالب من معان سياسية ووطنية وإنسانية تتعلق بفهمه للصراع الكبير الذي يشكل السجن إحدى جبهاته فقط. «لن يستطيعوا أن يكسروني» يقول ساندز في آخر ما كتبه، «لأن الرغبة في الحرية وحرية شعبي هي في قلبي. وحتماً سيطلع فجر اليوم الذي سيُظْهِرُ فيه كل الناس في ايرلندا الرغبة في الحرية. حينها فقط سنرى طلوع القمر» (بوبي ساندز: مذكرات السجن).
يخطئ من يختصر تجربة الإضراب بالجوع إذن، ويخطئ من يختزله حتى بمطالب الأسرى المباشرة. فالاعتقال هو حالة مواجهة شرسة ومستمرة مع المستعمر، والإضراب عن الطعام هو أحد أشكالها الأكثر عنفاً فقط. وخلف الأسر وخلف مطالب الأسرى تقف مفاهيم عن الصراع الكبير وتعريف ورؤية الأسير لنفسه ولشعبه ودوره ورؤيته للمستعمِر. وفي السجون يمكن لنا أن نرى الصورة الحقيقية للصراع. هناك يقف السجان، المسلح حتى الأسنان، عاجزاً أمام إرادة من يقرر التحدي ومن يرفض الذل. وعلى من لديه أدنى شك بحتمية الانتصار في فلسطين لأن «الكيان قوي جداً»، أن يتعلم قليلاً فقط من السجون وأن ينصت قليلاً لصوت الأسرى.

موت أمام الحلم: ما يُعَوّلُ عليه

هل تعرف ماذا سيحصل لك لو كنت أسيراً مضرباً عن الطعام بعد اليوم العشرين؟
هذا ما كتبه بوبي ساندز في «مذكرات السجن» في اليوم السادس عشر من إضرابه عن الطعام: «رغم أن جسدي ملفوف بالبطاطين باستمرار إلا أنني أجد صعوبة شديدة في الحفاظ على قدمي دافئتين. ولا تساعد حرارة جسمي، كذلك، علي أن أشرب مكاييل من الماء البارد كل يوم»... كان هذا في اليوم السادس عشر. ولو كان للكثير من الأسرى اختصار قسوة تجربة الإضراب عن الطعام في الأيام التي تأتي لاحقاً، ولم يستطع ساندز الكتابة عنها، بكلمات قليلة فستكون: «جوع وبرد وطعم قيء دم». فما يلازم الأسير بعد اليوم العشرين هو شعور دائم ومؤلم بالبرد في كل الأوصال، وطعم قيء الدم في الفم وعلى اللسان حين يبدأ الأسير بتقيؤ الدم مراراً كل يوم. ربما لم يعرف محمود عباس ذلك وهو يسبح بحمد التنسيق الأمني الذي كان العديد من الاسرى المضربين ضحايا له. ربما لم يسمع عن ذلك الشعور القاتل بالبرد المتواصل الذي يلسع القدمين واليدين والأصابع والوجه مثل الشوك والإبر حين قرر إلغاء وزارة الأسرى.
ولو كنت مضرباً عن الطعام، فهذا ما سيحدث لك بعد الأسبوع الثالث: سيبدأ جسدك بأكل بعضه، فبعد الدهون التي يستهلكها الجسم في الأسابيع الثلاثة الاولى، ينتقل لاستهلاك العضلات التي تبدأ بدورها بالتفتت والتلاشي أمام عينيك مع كل الألم المرافق لذلك. بعدها سيبدأ نخاع عظمك بالتبخر والاختفاء فيصبح مجرد وقوفك على قدميك صعباً، ولاحقاً مستحيل. سيرافقك إحساس قاتل ومزعج جداً بالبرد المتواصل لا ينفع معه أي غطاء، فالبرد الذي ستشعر به يأتي من داخل الجسد الذي يعدم أي طاقة، ويصبح إمكان التغلب على شعور متواصل من البرد الذي يصيب القدمين واليدين والوجه أشبه بمهمة مستحيلة. وبعد اليوم الثلاثين، بعد أن يلجأ جسدك لاستهلاك العضلات، وبعد أن تذوب بغالبها، ينخفض وزنك الى أقل من خمسة واربعين كيلوغراماً، وهي حقاً وزن الجلد والعظم فقط. ثم يبدأ ضغط دمك بالهبوط بشكل حاد، وحرارة جسمك تبدأ بالتقلب وتنخفض أحياناً بحدة لتلامس حدود الموت مراراً كل يوم، ويستمر مع كل ذلك الشعور القاتل بالبرد في كل أوصال جسدك. وفوق كل ذلك، ستتقيء دماً باستمرار. تتشقق شفتاك وتبدآن بالنزيف. لثتك ستنزف دماً أيضاً، فلا يفارق طعم الدم لسانك ليصبح لاحقاً، طعم قيء الدم هذا ورائحته هما طعم ورائحة ذاكرتك عن تجربة الإضراب. ستفقد القدرة على السيطرة على حركة عينيك وتتشوش قدرتك على الرؤيا وتصيبك حالة دوار وغثيان دائمة، ثم تبدأ بفقدان السمع أيضاً. مع فقدانك السيطرة على عينيك وفقدان السمع سيتشوش كل إحساسك بالواقع. لكنك رغم كل ذلك ستعيش حالة وجودية غريبة. ستبدأ برؤية نفسك والنظر إليها من بعيد وكأنك تنظر لشخص آخر، أو كأن الأمر لا يعنيك، ثم تستمر في إضرابك.
بعد اليوم العشرين يبدأ الأسير تجربة وجودية فريدة لا يعرف فك رموزها غيره ليفهم كيف يستطيع السير على حبل الموت بلا خوف أو تردد لأشهر. تجربة وجودية فريدة تجعل الأسير يتصالح تماماً مع الموت ولا يخشاه، بل ويهزأ منه أيضاً. سيمر وقت طويل قبل ان تدرك «القيادة الفلسطينية» معنى وسر تلك القوة الهائلة التي تدفع الأسرى للاستمرار وتخطي حاجز الأشهر بلا تردد، ووصول خطوط الموت كل يوم مراراً وبلا رهبة. سيمر وقت طويل قبل أن تدرك سر تلك الإرادة العظيمة التي تدفع هؤلاء الأبطال للقتال على حافة خط الموت. سيمر وقت طويل، وربما لن يأتي مطلقاً اليوم الذي تعرف فيه «القيادة الفلسطينية»، كما عرف الأسرى، المعنى الحقيقي للكرامة. فهذه تجربة إنسانية فريدة لا ولن يعرفها ولا ولن يفهمها من لم ينفض عنه كثيراً من غبار الذل والمهانة والمفاوضات وعار التنسيق الأمني. ولو كانت الكرامة والحياء والشرف موزعة بالتساوي بين الجميع (الأسرى والقيادة) لكنا وكانوا في مكان آخر.
خاتمة: فلتشتعل النار

«هناك شيء في داخل كل إنسان»، كتب بوبي ساندز في قصيدته «إيقاع الزمن». الفكرة فكرة البطولة والثورة والتمرد التي «تشعل النار حيث لا يوجد نار». لكن يحتاج البعض دائماً إلى أن يدفع حياته ثمناً حتى يستطيع الباقون أن يكتشفوا إنسانيتهم. يحتاج البعض أن يدفع حياته ثمناً حتى يُمتحن الآخرون في مدى إدراكهم لإنسانيتهم. هذا ما يفعله الأسرى في السجون الصهيونية اليوم. إنهم يمتحنون إنسانيتنا جميعاً. يدفعون اليوم حياتهم ثمناً، ليس من أجل مطلب خاص بهم، بل على أمل أن ندرك، نحن المتفرجون في الخارج، إنسانيتنا وننتصر لأنفسنا قبل أن ننتصر لهم.
لتعرفوا ما هي المعركة الحقيقية التي يخوضها الأسرى، إليكم بعض ما كتبوه لنا في 8 حزيران 2014، في اليوم الثامن والأربعين من إضرابهم: «تمسكوا بحقوقنا التاريخية ولا تفرطوا بذرة من تراب فلسطين من النهر إلى البحر». فلسطين هي المسألة إذن، وعليها يدور الصراع في السجن وخارجه، وعليها يدور الصراع كل الوقت وفي كل مكان. من يظن أن الأسرى مضربين من أجلهم هم فهو واهم. ومن يعتدي على امهات وزوجات وأبناء وبنات الأسرى فهو خائن.
اليوم هو اليوم الرابع والستين للإضراب. لم تنتفض فلسطين بعد كما يجب لأشرف وأعظم وأطهر من انجبت نساؤها.
إنهم يموتون. لم يعد هناك وقت للانتظار. لدينا فرصة وحيدة فقط. إلى الشارع أيها المتفرجون. إلى الشارع. فلتشتعل النار.
* كاتب عربي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق