Google+ Followers

الثلاثاء، 17 يونيو، 2014

جملة اعتراضية - رسالة من أحد العملاء - علاء الأسواني



الأستاذ الفاضل
أعذرني لأني لا أريد أن أذكر اسمي.. أنا واحد من شباب الثورة الذين يسخر منهم الاعلام ليل نهار ويتهمهم بالخيبة والفشل. أنا أرتدي بنطلون «جينز ساقط»، وشعري طويل ملموم، لكنني لست فاشلا أو تافها، انما التافه المتخلف هو من يقيس أقدار الناس بمستوى ارتفاع بنطلوناتهم. أنا خريج كلية الاقتصاد القسم الانكليزي (تقدير جيد جداً) دفعة 2010 وأنا والحمدلله من أسرة ثرية أسكن في فيللا في الشيخ زايد. أبي معماري ناجح ولديه مكتب هندسي في دولة خليجية وهو شريك أيضاً في مكتب في لندن.. بعد حصولي على الثانوية من الخليج، التحقت بجامعة القاهرة، واكتشفت مصر لأول مرة فحزنت لأوضاعها المتردية، قررت ألا أكون سلبياً، وأحسست ان من واجبي أن أفعل شيئاً لرفع المعاناة عن ملايين المصريين. انضممت الى حركة «كفاية» وبعدها الى «الجمعية الوطنية للتغيير». اشتركت في كل الفعاليات والتظاهرات. تم القبض عليَّ وقضيت في الحبس عدة أيام، أدركت خلالها ان الانسان المصري بلا حقوق فعلا، وأن أصغر ضابط في أمن الدولة يستطيع أن يفعل بك ما يشاء، حتى لو قتلك فلن يعاقبه أحد أبداً.
زادني ذلك إصراراً على العمل الوطني، وبرغم اعتراض أمي وقلق أبي، ظللت اشترك في الاجتماعات والتظاهرات حتى قامت الثورة، فعشت 18يوماً في ميدان التحرير هي أجمل وأسعد أيام حياتي. واجهت الموت ورأيت بعيني ضباط شرطة مبارك وهم يقتلون زملائي. سقط بجواري مباشرة شهيد في يوم «28 يناير» لن أنساه ابداً. شهدت «موقعة الجمل» ودافعت عن الثورة بكل قوتي، رأيت البلطجية الذين استأجرهم فلول «الحزب الوطني» وهم يمرون من بين خطوط الجيش فلا يعترضهم أحد، باستثناء النقيب ماجد بولس (أسد التحرير) الذي صعب عليه أن يسلمنا للذبح فأطلق عدة أعيرة نارية لمنع البلطجية عنا. لم أترك الثورة يوماً واحداً.. رأيت الموت بعيني في «محمد محمود» و«العباسية» و«مجلس الوزراء» وسقط شهداء كثيرون بالغاز والخرطوش والرصاص، وكنت صديقاً للشهيد مينا دانيال الذي قتلوه في مذبحة «ماسبيرو». ضاعت أعين زملاء لي وارتميت لأحمي بجسدي البنات، عندما كان الجنود يجروهن من شعورهن ويسحلونهن على الأرض، وتلقيت ضرباً ما زالت آثاره على ظهري. في انتخابات الرئاسة أعطيت صوتي لخالد علي في الجولة الأولى، وقاطعت في الجولة الثانية، لأنني لا أثق في «الإخوان»، فرفضت أن أنتخب مرسي، وكان من المستحيل طبعاً أن أنتخب شفيق الذي هو مبارك آخر. ثم وصل «الإخوان» الى الحكم واشتركت في التظاهرات ضدهم، ولم يختلف الأمر، فالسلطة تقتلنا سواء باسم «الإخوان» أو باسم «المجلس العسكري».. ثم اشتركت في «30 يونيو» وخالفت زملائي الذين رفضوا التظاهر بجوار فلول نظام مبارك. كانت وجهة نظري انه بالرغم من وجود الفلول في الميادين، الا ان التخلص من عصابة «الإخوان» واجب وطني وثوري لا يجب أن نتخلف عنه وقد أقنعت كثيرين ونزلنا نتظاهر أمام الاتحادية. عندما قرر الجيش أن يساند الشعب في التخلص من «الاخوان» نزلت الى ميدان التحرير لتأييد الجيش.. كان رأيي انه بالرغم من المذابح التي يجب أن يحاكم المسؤول عنها أيام «المجلس العسكري» الا ان الجيش المصري كمؤسسة وطنية، واجبه أن يتدخل لحماية المصريين من الإرهاب وواجبنا جميعاً أن نسانده. بعد سقوط «الإخوان» لاحظت أن إعلام «الفلول» قد شدد من حملته لتشويه الثورة وأحسست بالغيظ. فكرت أن نظام مبارك قد استعملنا للتخلص من «الإخوان» ثم استدار ليجهز علينا ويشوه سمعتنا. تأكد ظني عندما صدر قانون التظاهر، واشتغلت ماكينة الاعلام الجبارة لتحشو عقول المصريين بالأكاذيب.
في «25 يناير» الماضي نظمت مع زملاء لي وقفة احتجاجية صامتة ورفعنا لافتات كتبنا عليها الثورة مستمرة. تم القبض علينا وقدمت لمحاكمة سريعة وحكم عليَّ بالسجن عامين وغرامة 50 ألف جنيه. لن احدثك عن الضرب والإهانات والتعذيب، فما عليك الا أن تراجع تقارير المنظمات الحقوقية المصرية أو الدولية، لتعرف ان القمع الآن أسوأ من أيام مبارك... أرجوك لا تعتمد على تقارير «المجلس القومي لحقوق الإنسان» لسبب بسيط، أن أعضاءه يستأذنون وزارة الداخلية قبل التفتيش على السجون. هل سمعت في الدنيا عن مفتش يستأذن من الجهة التي يفتش عليها؟ ألا يعطي ذلك فرصة ذهبية لإدارة السجن حتى تخفي آثار التعذيب..؟. أنا الآن في أحد السجون (لن أذكره). بمجرد خروجي من السجن سأهاجر من مصر التي يعلم الله كم أحببتها. سأتركها نهائياً، ولن آتي اليها بعد ذلك إلا في الإجازات.. إياك أن تظن أن السجن كسرني. والله العظيم لو قضيت عشرين عاماً في السجن ولو رأيت أضعاف ما تعرضت له من تعذيب لما هز ذلك إيماني بالثورة لحظة.
لماذا أهاجر إذن؟ لأنني اكتشفت أننا جميعاً كثوريين عشنا في وهم كبير عندما تخيلنا اننا ندافع عن الشعب. الثوريون هم أنبل وأشجع من في هذا الشعب، لكن أغلبية المصريين لا يحتاجون الينا، فلا يجب أن نفرض أنفسنا عليهم... ألم تسمع بنفسك من يقول إن المصريين يحتاجون الى حاكم قوي حتى يشكمهم؟ بالمناسبة، أنا مقتنع أن السيسي كان الحاكم الفعلي بعد «30 يونيو» وأن قانون التظاهر صدر بأمر منه. لا ألوم السيسي لأنه رجل عسكري من الطبيعي أن يضيق بمن يعارضه، لأنه تعود على إصدار الأوامر وتنفيذها.
قال الكاتب الأميركي ناعوم تشومسكي «العسكريون جميعاً ثقافتهم واحدة قائمة على فرض الأمر الواقع وتدمير الخصوم». سأكون سعيداً لو أثبت السيسي أنه مختلف عن وصف تشومسكي. لست غاضباً من السيسي، لكني غاضب من هذا الشعب العجيب الذي قدمت الثورة من أجله آلاف الشهداء والمصابين حتى يحصل على حريته، فإذا به في النهاية يصدّق أن الثوريين عملاء وممولون من الخارج.. من فضلك لا تقل لي إن إعلام «الفلول» قام بتضليل الناس، لأني سأسألك أليس لهؤلاء الناس أدمغة يفكرون بها؟ هل سمعت عن عملاء يستشهدون ويفقدون عيونهم من أجل الحرية؟ هل هذا جزاؤنا من الشعب الذي دافعنا عنه بدمائنا؟ عندما قبضوا عليَّ يوم «25 يناير» ضربني أفراد الشرطة بوحشية فلم أصرخ وتحملت الضرب بثبات. ثم قام بضعة رجال من المقهى المقابل وراحوا يصيحون في وجوهنا «يا خونة يا عملاء بعتم مصر بكام؟» عندئذ فقط انهرت. انكسرت. بكيت لدرجة أن الجنود توقفوا عن ضربي. هؤلاء المواطنون الذين يتهمونني بالخيانة هم الذين اشتركت في الثورة حتى يعيشوا محترمين في بلادهم.
يا دكتور علاء يجب أن نرى الحقيقة. لقد عشنا سنوات في الأوهام ـ وأنت معنا ـ عندما تعاملنا مع شعب افتراضي ليس هو الشعب المصري الحقيقي. إن الثوريين يريدون تغييراً حقيقياً، يريدون مصر عادلة حرة، لكن بقية المصريين مختلفون عنا. سأضرب لك مثلين:
بعد كتابة الدستور الجديد نزل المصريون بكل حماس ووافقوا عليه في الاستفتاء بأغلبية ساحقة، ولم تمض أيام قليلة، حتى بدأت الحكومة في انتهاك الدستور مراراً وتكراراً. قانون التظاهر وتحصين قرارات اللجنة العليا للانتخابات وهتك أسرار الناس في التلفزيون عن طريق اذاعة تسجيلات شخصية، والاعتقالات والتعذيب.. كل هذه انتهاكات فادحة فأين الذين رقصوا في الشوارع فرحاً بالدستور، ولماذا لم يعترضوا على انتهاكه؟ إنهم في الواقع لا يحتاجون الى دساتير وإنما يتوقون الى حاكم قوي يشكمهم..
المثل الثاني عندما نزل الرئيس السيسي يقود دراجة وخلفه مئات الأشخاص في ماراثون للدراجات. الإعلام الكذاب راح يطبل ويزمر للسيسي كالعادة، لكنني قلت لنفسي لا بأس، ربما أراد أن يؤكد فائدة الرياضة أو أراد ان يطمئن السياح على الحالة الأمنية في مصر. هذه أهداف مفهومة ومقبولة. لكنني فوجئت بأن السيسي يدعو المصريين الى الذهاب للعمل على الدراجة بدلا من السيارة من باب التقشف؟ ألم يفكر أحد من الشعب الذي ندافع عنه في ان الرئيس السيسي اذا دعانا للتقشف عليه أن يبدأ بنفسه ويتخلص من أسطول السيارات المرسيدس الفارهة التابعة للرئاسة؟. لماذا لم يطالب أحد الرئيس السيسي بأن يطالع تقارير الجهاز المركزي للمحاسبات ليعرف انه اذا ضم لميزانية الدولة اموال الصناديق الخاصة المنهوبة واستغنى عن المستشارين الذين يتقاضون كل شهر ملايين الجنيهات، عندئذ لن يحتاج المصريون لركوب الدراجات ولن تحتاج مصر للاقتراض أساساً؟
نحن الذين نفكر في مثل هذه الأمور، أما الشعب الحقيقي (وليس الذي تخيلناه) فهو متنازل مسبقاً عن حقوقه ما دام الحاكم «دكر» وقوي بمقدوره أن يشكمه. هذا هو شعبنا الذي كدت أموت دفاعاً عنه فاتهَمَني بالخيانة. فور خروجي من السجن، لن أبقى يوماً واحداً في بلد يتهم الشهداء الذين قدموا حياتهم من أجله بالخيانة. لقد استطاع أبي أن يسجل اسمي كطالب ماجستير في مدرسة لندن للاقتصاد. سأترك مصر حتى أعيش في بلد يحترم إنسانيتي. بلد يحكمه القانون. بلد لا يتهم من ماتوا من أجله بأنهم بلطجية وعملاء.
أيها المصريون أعتذر لأني فهمْتكم خطأ.. أنتم لا تحتاجون الى الثورة ولم تفهموها ولا تستحقونها. سأترك لكم هذا المستنقع الذي حاولنا تنظيفه من أجلكم فاتهمتمونا بالعمالة والخيانة. هنيئاً لكم الفساد والمحسوبية والعدالة العرجاء والإعلام الذي تعدّ برامجه في أروقة أمن الدولة. كتبت هذه الرسالة لأشرح لك موقفي وسواء اتفقت أو اختلفت معي فإن احترامي لك لا يتغير.
تحياتي
[[[
تلقيت هذه الرسالة. وسوف أرد عليها الأسبوع المقبل. أيها القراء الأعزاء اذا كان لديكم ردود على هذا الشاب برجاء التفضل بإرسالها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق