Google+ Followers

الجمعة، 11 يوليو، 2014

إسرائيل تحتضن أربيل وعمّان: نتمنى التوفيق لـ «داعش»... وإيران


هي عقيدة ثلاثية العناصر تقوم على ركيزتين، أربيل وعمّان، تتبناها إسرائيل لتقويض «الحبهة الشرقية» المتنامية (اقرأ العراق وإيران). الهدف حزام أمني يحمي الدولة العبرية من التمدد التكفيري، وتقسيم للعراق يقوّض النفوذ الإيراني، مرفقاً بتوفير البيئة المناسبة لصراع إيراني داعشي يستنزف الطرفين على قاعدة «نتمنى التوفيق للطرفين»

محمد بدير
لو قيّض لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون أن يستفيق من غيبوبته قبل رحيله إلى العالم الآخر، لقال أشياء كثيرة في ما آلت إليه الوضعية العامة لإسرائيل من بعده. ومن المؤكد أنه كان سيكثر القول في ما انتهت إليه الحرب الأميركية على العراق. فالرجل كان سافر إلى واشنطن عشية الغزو متأبطاً مهمة إقناع إدارة الرئيس جورج بوش بأنها تخوض الحرب الخطأ، وأن العدو الذي ينبغي أن يكون في مهداف الحرب الأميركية هو إيران المتعاظمة عسكرياً ونووياً وليس العراق المحاصر والمتهالك. كان لشارون منطقه المتماسك في تقديم رؤيته، إلا أنه بالرغم من ذلك فشل في تحويل مسار المقاتلات والبوارج الأميركية
.

إخفاق شارون في إعادة هيكلة الأولويات العدوانية الأميركية تجاه المنطقة لم يحل دون إفادة تل أبيب إلى الحد الاستراتيجي الأقصى من احتلال واشنطن لبلاد الرافدين؛ إفادة تلخصت في الأدبيات الإسرائيلية في وقت لاحق بعبارة «سقوط الجبهة الشرقية». و«الجبهة الشرقية» مصطلح يستخدم في إسرائيل للدلالة على التهديد الذي كان يشكله العراق بمقوماته العسكرية والاقتصادية الجبارة. وقد شكل سقوط هذه الجبهة فرصة استثنائية لتل أبيب لمواجهة أزمتها الاقتصادية في تلك الفترة من خلال اقتطاع مليارات الشواكل من موازنة الجيش (نحو 12 مليار بين عامي 2003 و2006) وتحويلها إلى مسارات إنفاقية أخرى ذات طابع اجتماعي.
بيد أن اطمئنان تل أبيب إلى التنعّم بالثمار الاستراتيجية للوجود الأميركي في العراق لم يدم طويلاً. ففي آذار 2007، قدم الجيش الإسرائيلي خطته الخمسية لبناء قوته العسكرية التي استندت إلى تقدير استراتيجي محدّث للوضع الإقليمي. ورغم أن الخطط الأميركية لمستقبل الوجود في العراق لم تكن واضحة بعد، فإن الجيش الإسرائيلي أعاد العراق إلى دائرة حساباته الاستراتيجية كمصدر محتمل للتهديد. قائد شعبة التخطيط في الجيش، الجنرال عيدو نحوشتان، الشخص الذي كان مسؤولاً عن بلورة الخطة، أوضح في حينه أنه لن يكون لإسرائيل سبب للقلق ما دام الأميركيون موجودين في العراق، لكن ــ أردف متسائلاً ــ من يعلم ما الذي سيحدث عندما ينسحب الأميركيون؟
اقتضى الأمر أن تنتظر نبوءة نحوشتان نحو أربع سنوات لتتحقق مع الانسحاب الأميركي غير المشروط من العراق. انسحاب رأت فيه تل أبيب، على لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، جزءاً من التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط و«من شأنه أن يولّد تحديات أمامنا لم نواجهها منذ عشر سنوات» (خطاب نتنياهو في الكنيست 28/12/2011). نتنياهو نفسه عاد وأوضح طبيعة هذه التحديات حين صرّح أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست أنه «منذ خروج الولايات المتحدة من العراق دخلت إيران إلى هناك بسرعة كبديل منها» (16/12/2012).
وهكذا وجدت إسرائيل نفسها أمام واقع متبلور على جبهتها الشرقية يشكل انعكاساً أميناً للرؤية الاستراتيجية السوداوية التي كان استشرفها أرييل شارون وحاول التحذير منها. واقع انطوى على خليطٍ هو أسوأ ما يمكن أن تراه إسرائيل في كوابيسها: ليس فقط خروج العراق من وصاية الفصل السابع الدولية وسلوكه طريق بناء القوة على المدى الأبعد بما يعيد له دوره وحضوره الإقليمي، بل تحوله إلى ساحة نفوذ إيرانية في تطورٍ من شأنه أن يُلحق الحضور العراقي الإقليمي بالفلك الاستراتيجي الإيراني ويجيّر دوره في خدمة المشروع الأوسع لطهران. بعبارة أخرى، في غضون سنوات قليلة، تحولت الفرصة التي وفّرها «سقوط الجبهة الشرقية» إلى تهديد مركب شديد الكثافة والخطورة عنوانه تبلور جبهة جديدة من طراز لم تعهده إسرائيل من قبل. جبهةٌ قوامها تشابك عضوي ناشئ بين «جبهة شرقية» مستجدة في طور الانبعاث و«جبهة شمالية» قائمة ومتماسكة، وميزتها الأبرز أنها تجمع كل عناصر التهديد الأخطر بالنسبة إلى تل أبيب من الشرقَين العراقي والإيراني إلى الشمالَين السوري اللبناني (الحزب اللهي) في إطارٍ موحد الرؤية والمشروع والامتداد، هو إطار «محور المقاومة» نفسه، لكن بنسخةٍ مارِديَة عملاقة تُحوّله إلى قوة عظمى بكل ما للكلمة من معنى.
في هذا السياق، يصبح مفهوماً التزامن النسبي بين «الثورة السورية» وقرار الانسحاب الأميركي من العراق، خصوصاً من زاوية أنها شكلت في المنظور الإسرائيلي فرصة استراتيجية من العيار الثقيل؛ عيار ضرب الجبهة الناشئة المشار إليها أعلاه في واسطة العقد وإجهاض التهديد المشرئب منها. وفي نظرة إلى الوراء، يمكن القول إن استراتيجية إسرائيل في مواجهة التهديد الشرق ــ شمالي المذكور كانت محصورة إلى حد بعيد على مدى السنوات الثلاث الماضية في الرهان على نجاح «الربيع السوري» في إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد بوصفه الحلقة الوسيطة في «محور المقاومة المُوسّع». لكن هذا الرهان سقط. وبعد التطورات الأخيرة على الساحة السورية، صار واضحاً أن الحديث عن استبدال النظام السوري لم يعد واقعياً بالقدر الذي يسمح بتعليق آمال أو حسابات استراتيجية عليه.
على إثر ذلك، صار لزاماً على إسرائيل إدخال تعديلات جوهرية على استراتيجية مواجهة التهديد الشرق ــ شمالي، وهذا ما تكشفت معالمه خلال الأسابيع الماضية. ولعل المحطة الأبرز التي اختصرت بشكل مكثف الاستراتيجية المعدلة كانت الخطاب الذي ألقاه نتيناهو من على منبر معهد أبحاث الأمن القومي قبل أسبوعين، وفيه عرض ما وصفه معلقون إسرائيليون بـ«عقيدة نتنياهو» الأمنية، مشيرين إلى أنها تعكس أيضاً وجهة نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
في كلمته تحدث نتنياهو عن جملة عناوين، يمكن الوقوف على ثلاثة منها تتعلق بالسياق العراقي، وتمثّل، إلى حدّ بعيد، استراتيجية إسرائيل على الجبهة الشرقية:
أولاً ــ دعم الاستقلال الكردي، وهو العنوان الدبلوماسي المنمّق لسياسة أكثر طموحاً وجموحاً هي دعم تقسيم العراق. ذلك أن تقسيماً كهذا سيحوّل العراق إلى ساحة استنزاف شبيهة بالساحة السورية، بما يحقق اقتطاع أجزاء من مظلة النفوذ الإيراني واستخدامها في مواجهة الأجزاء الأخرى الموجودة تحت هذا النفوذ. هذا فضلاً عن أن نشوء كيان كردي في العراق سيصبّ حكماً في خانة التحالف الموضوعي ــ إن لم يكن المباشر ــ مع إسرائيل.
ثانياً ــ دعم الأردن في مواجهة اللاستقرار العراقي، بما يحوّله إلى أشبه بـ«حزام أمني» أو «منطقة صدّ» لمواجهة تداعيات التشظي العراقي ومنعها من الوصول إلى الحدود الإسرائيلية، خصوصاً بنسختها الداعشية. وإذا كان نتنياهو التزم الحياد الدبلوماسي في تعبيره عن هذا الموقف من خلال دعوته إلى «دعم الجهود الدولية لمساندة الأردن»، فإن وزير خارجيته أفيغدور ليبرمان وضع الأمر في نصابه الإسرائيلي الحقيقي: «إن استقرار الأردن هو مصلحة قومية حيوية لإسرائيل»، مضيفاً «من دون الدخول في التفاصيل، فإننا سنفعل كل شيء للحفاظ على استقرار المملكة الأردنية». كذلك فعل وزير الشؤون الاستخبارية الإسرائيلي، يوفال شتاينتس، حين أكد أن «إسرائيل لا يمكن أن تسمح بخرق أمن الأردن أو بضعضعة استقراره من جانب جهات مثل داعش أو القاعدة أو حماس».
ثالثاً ــ بناء محور للتعاون الإقليمي، وذلك في إطار العمل على «تقليص الأضرار المحتملة للقوى الإسلامية المتطرفة ضدنا وضد الآخرين». و«القوى الإسلامية المتطرفة» بالنسبة إلى نتنياهو تتثمل ليس فقط في الجهادية القاعدية السنيّة بنُسخاتها المتعددة، بل أيضاً، وبصورة أولى، بالجهادية «الإرهابية» الشيعية التي تجسدها الجمهورية الإسلامية في إيران وفروعها الإقليميين. ووفقاً لما كشفته صحيفة «جيروزالم بوست» قبل أيام، فإن نتنياهو يرى في الأردن وكردستان عضوين أساسيين في هذا المحور، بوصفهما «عاملين قويين في تمتين الاستقرار واحتواء التطرف السنّي والشيعي في المنطقة... ووسيلة لمنع الفوضى في سوريا والعراق من التمدد إلى دول أخرى في الشرق الأوسط». على أنه يمكن القول إن الدعوة إلى بناء محور كهذا في عقيدة نتنياهو تتجاوز وظيفياً احتواء التطرف الإسلامي السنّي والشيعي وتهدف، ربما بدرجةٍ أولى، إلى جعله وسيلة لقطع الطريق على حصول تقارب إيراني ــ أميركي تحت عنوان مواجهة الإرهاب القاعدي في العراق والمنطقة.
وقد بلغ نتنياهو ذروة الوضوح في تحديد ما يعنيه إزاء هذه النقطة، خلال مقابلته مع محطة «إن بي سي» الأميركية قبل نحو ثلاثة أسابيع، والتي رأى فيها أن «كلا المعسكريين ــ الراديكاليين الشيعية والراديكاليين السنّة ــ أعداء للولايات المتحدة، وعندما يتقاتل أعداؤنا، لا تقوّي أحدهما على الآخر، بل تعمل على إضعاف كليهما». ومضى يشرح بلغة وعظية ما ينبغي على الولايات المتحدة القيام به في مواجهة الوضع العراقي المتدهور: «أعتقد أن هناك إجراءين يجب اتخاذهما: الأول اتخاذ خطوات ضرورية لمواجهة استحواذ داعش على العراق، والثاني هو عدم السماح لإيران بالهيمنة على العراق بالطريقة التي هيمنت بها على لبنان وسوريا.. يجب العمل على كلا الجانبين... كما قلت عليك محاولة إضعاف كليهما». لعل نتنياهو لم يستحضر العبارة الشهيرة لسلفه في المنصب، مناحيم بيغين، أو لعله رأى أن طبيعة المقام لا تتناسب مع التهكم الطافح منها، إلا أن المؤكد أنها تعبّر بشكل دقيق عما أراد قوله: «نتمنى التوفيق الكبير للجانبين»، قالها بيغين عام 1982 رداً على سؤال حول موقف إسرائيل من الحرب العراقية الإيرانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق