Google+ Followers

الثلاثاء، 8 يوليو، 2014

النفط والقواعد العسكرية رهائن «الدولة» في الخليج - نزار عبود

 
هاجس أمني كبير تعيشه السعودية اليوم، خوفاً من امتداد الإرهاب الذي أسّسته، من دول الجوار كالعراق، وحتى سوريا، إلى أراضيها، خصوصاً بعد أن تعلّم تنظيم «الدولة الإسلامية» الدرس، وأخذ العبر من تجربة سلفه تنظيم القاعدة مع
النظام السعودي

نيويورك | هموم الحكومات الخليجية كبيرة هذه الأيام. لم يتصوروا قبل أشهر أن من المؤتمنين على الأمن من استخبارات وحراس وعلى سلامة كل شيء، من الأرواح إلى حقول النفط والسلاح، قد يصبحون مصدر الخطر الأول على كل هذه النفائس. الزمن تبدّل. وقواعد اللعبة أيضاً. لن ينتظر أبو بكر البغدادي، «الخليفة» الجديد، ومن خلف البغدادي ممن أمدّه بالمال والسلاح من العواصم الخليجية الأغلال لكي يضرب، بل قد يبادر إلى حرب استباقية تأتي هذه المرة من الداخل وليس عبر الحدود.


اعتمدت دول الخليج، منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، على عنصر البدو، غير المسيّس في أمنها. وكانت الثقة بهؤلاء نابعة من أنهم لا يتدخلون في السياسة أو يتبنّون أفكاراً يسارية ثورية. همّهم الأساسي الراتب والمكافآت ورضى أولياء الأمر. وعندما يتعرض النظام لأي خطر يكونون في طليعة المدافعين عن مكتسبات لا تؤمنها لهم البادية؛ مسكن مستقر، وماء واطمئنان، إلى امتيازات ودخل ثابت، وضمانات لأسرهم بالتعليم والطبابة، وفوق كل هذا، احترام للبدلة العسكرية، لأن الخليجيين عموماً كانوا لا يثقون بالبدو ولا يزوّجونهم بناتهم، ولا يمنحونهم حتى الجنسيات. فالبدوي، أولاً وآخراً، لا يؤمن بالأوطان الحديثة، والبادية لا تعرف اتفاقية سايكس بيكو ولا حدودها، بل إنهم كانوا لا يعترفون بسجلات النفوس، فالأنساب تحفظ بالذاكرة. وأصل الفتى مدوّن لدى مشايخ القبائل والعشائر.
والبداوة المرتبطة بالعقيدة التكفيرية الوهابية منذ قرون ثلاثة، خير سلاح يُشهر في وجه الشيعة، كما شهر في وجه الشيوعية. تحالف مثالي لا يطعن فيه أي حاكم عربي أو حكومات غربية. هناك بحر، بل محيط، من العداء التاريخي يمكن توظيفه في حرب استُحضرت فيها كل المصطلحات المختزنة على مرّ العصور.
لم ينتصر التعصب المذهبي ضد إيران في الحرب العراقية الإيرانية الطاحنة، وارتد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على الدول التي ساعدته ودفعته إلى مصيبته. ظن في لحظة من اللحظات أن القوة التي سُمح له بامتلاكها لمقاتلة إيران تصلح لتنفيذ مشاريعه جنوباً وشرقاً في الخليج. خلال هذه الفترة لم يكن هناك تعارض بين التحالف القائم بين الملوك والأمراء من جهة، وقوى الأمن البدوية الوهابية الأصول من جهة أخرى. الكويتيون هربوا إلى السعودية وإلى خارج السعودية، بحضرهم وبدوهم وبدونهم. وبعد التحرير، عادوا جميعاً إلى الصيغة التي كانوا عليها مع مزيد من التعصب. بقي البدون الكويتيون من غير جنسيات حتى بعد التحرير الأميركي ــ البريطاني، لأن التاريخ في هذه المنطقة لا ينسى. آل الصباح، العائلة الحاكمة في الكويت، ما زالوا يدركون أن البدو الذين يعتنقون في غالبيتهم المذهب الوهابي، كانوا أداة الداعية محمد بن عبد الوهاب الذي سعى لإقامة مذهبه بالقوة والسيف، فاستولى على قسم كبير من الجزيرة العربية، وهاجم الكويت وساحل عمان ودمشق وكربلاء والنجف، وهدم كل التراث والتاريخ والمقامات والأضرحة عندما تسنى له ذلك، ونهب الأملاك بدون تمييز بين سنّي وشيعي.
هذه البداوة الوهابية لم تتوقف عند الجزيرة العربية، بل دُرّست في سائر البقاع بفضل سطوة الدعاة السعوديين. وكان نصيب باكستان وبنغلادش وحتى أوروبا كبيراً من هذه المدارس. لذا لم يكن مستغرباً أن تستقدم البحرين مواطنين متعصبين من باكستان وبنغلادش وتجنّسهم ضمن عملية تغيير ديموغرافية، من أجل «سعودة» الجزيرة ذات الغالبية الشيعية وتوهيبها. وتسلّم هؤلاء الآسيويون مقاليد الأمن والسلامة مثلهم مثل البدو.
كانت الوهابية السلفية التكفيرية أيديولوجيا مناسبة وفعالة في محاربة إيران والعراق والشيوعية، وكل الدول العربية المستقلة. إلا أنها لم تُعرف يوماً بأنها كانت معادية للاستعمار، بما في ذلك الاستعمار الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، مؤديةً دورها في ضرب الجمهوريات العربية التي كانت تهدد المملكات والمشايخ العربية بخطابها.

الأوضاع تبدّلت بعد أحداث سوريا والعراق أخيراً

السعودية تذكر تجربتها الأولى مع تنظيم القاعدة في أفغانستان وبعد أفغانستان. أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، اعتقد أن السعودية كانت حقاً تحارب الشرك وتريد إقامة دولة إسلامية مستقيمة في أفغانستان. وعندما عاد، قال للأسرة السعودية إنه يستطيع إخراج الأميركيين من شبه الجزيرة العربية كما فعل بالسوفيات. وكان ما كان بعدها.
اليوم، وبعد الفشل الذريع في سوريا، الهلع لم يصب السعودية وحدها من قيام تنظيم «الدولة» على مستوى المنطقة انطلاقاً من العراق، بل كل الأسر الحاكمة من الأردن إلى الإمارات. والداعشيون من أمثال أبو بكر البغدادي يدركون تجربة القاعدة السابقة. وهم يعلمون أن قيام الخلافة لن يكتمل ما لم يتحكموا في الدرّة الكبرى التي تتمتع المنطقة بها. إنها منابع الطاقة من نفط وغاز. ركزوا على ذلك في سوريا أولاً، وفي العراق ثانياً. لم يتمكنوا من السيطرة على كركوك وحقولها بعد. لكنها هدفهم الأول ضمن سلسلة من الغزوات التي ينوون شنّها من أجل الاستحواذ على مقدرات المنطقة وتحويلها إلى رهائن في يدهم. هم لا يريدون حرقها كما فعل صدام حسين في حقول الكويت، بل يفضّلون جعلها مصدر قوة يردعون به من تراوده نفسه مهاجمتهم من الدول الغربية. وهم أيضاً يستطيعون توظيف عائدات النفط في التجنيد والإنفاق على قواتهم الضاربة، كما فعلوا من قبل، في القرن الثامن عشر الميلادي. غزوا عرب الشام، يقول المؤرخ ابن بشر في عام ١٢١٢ هجري. قادهم حجيلان بن حمد أمير ناحية القصيم وقصدوا أرض الجوف شرق الشام، وأغاروا على عربان الشرارات، فانهزموا وقتل منهم نحو مئة وعشرين رجلاً. وأخذوا جميع محلاتهم وأملاكهم وأزوادهم وأخذوا من الإبل خمسة آلاف بعير وأغناماً كثيرة. وعزلت الأخماس فأخذها عمال عبد العزيز وقسم حجيلان باقيها على الجيش غنيمة».
اليوم هناك ما هو أثمن من الإبل والمحلات والأخماس. هناك النفط والمصارف والقواعد التي تحتوي على كل السلاح المطلوب ومن أفضل الأنواع. والوهابيون المتطرفون التكفيريون موجودون في كل هذه المواقع. بل لديهم حراس وكبار المسؤولين في كل مفاصل الدول الخليجية، ويستطيعون في الحد الأدنى تعطيل الإنتاج وإرباك العجلة الاقتصادية الغربية، في زمن بالغ الحساسية. إذا كانت إيران تستطيع إقفال مضيق هرمز ووقف مرور الطاقة، فإن الوهابيين يستطيعون وقف الإنتاج بكامله وتعطيله لوقت طويل.
الحكم السعودي مرتبك ويدرك مدى تغلغل السلفية الجهادية في جهازه الأمني. وهو يدرك أيضاً أن منبع الخطر قبل أن يكون العراق أو حتى اليمن، هو في القصيم والرياض. والكويت بدأت بتقليم أظافر بعض المتطرفين لديها. لكن أصابع هؤلاء لا تزال على الزناد. وهم بعدما شاهدوا مصير الإخوان في مصر، قد لا ينتظرون قدوم مصيرهم إليهم، وربما يفضلون ملاقاته في منتصف الطريق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق