Google+ Followers

الجمعة، 4 يوليو، 2014

نساء بلادي نساء ونصف ” حياة عمامو وسلوى الشرفي على رأس الجامعات التونسية ” بقلم: شريـــــف الزيــــتوني


هذا العنوان الرئيسي هو في الأصل جزء من قصيدة قديمة للشاعر الصغيّر أولاد أحمد تتغنى بالمرأة في تونس، المرأة المناضلة التي قاومت الاستبداد، المرأة التي تعلّمت وتحدّت الأعراف الاجتماعية القاسية، المرأة الحرة التي اكتشفت مبكّرا أنها نصف المجتمع فعلا وليس قولا، المرأة التي استطاعت أن ترسم لنفسها صورة مختلفة عن بقية النساء العربيات بفضل شجاعتها وقوة إرادتها وقدرتها على تجاوز كل العراقيل التي تواجهها

.
الاختيار على هذا العنوان طبعا كان بفضل حدث أو شبه مفاجأة وقعت هذه الأيام في الجامعة التونسية بانتخاب الأستاذة والمناضلة حياة عمامو عميدة لكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بتونس (9أفريل) وهي أول امرأة تبلغ هذه المرتبة في كلية لها رمزيتها التاريخية باعتبارها الكلية الأعرق والأقدم في تونس. فبعد هيمنة رجالية طويلة على عمادتها منذ افتتاحها، وفي الوقت الذي تعيش البلاد مخاضا كبيرا يتعلّق بالبنية الاجتماعية ككل وبواقع المرأة خصوصا، الذي يرى البعض أنه أصبح مهددا في ظل ظهور تيارات معادية لدورها ومعارضة لمشاركتها في الحياة العامة، تصعد أستاذة التاريخ الوسيط حياة عمامو لتكون لأول مرة عميدة لكلية معروفة برمزيتها لدى أغلب المثقفين والأكاديميين ولدى الأنظمة الحاكمة التي مرت على تونس، باعتبارها كانت الفضاء الذي تجتمع فيه عديد القوى المعارضة سواء كانوا طلابا أو أساتذة ممن مثلوا حرجا للسلطات في كل الأوقات وفيهم من طرد وفيهم من سجن وفيهم من اغتيل خاصة في فترتي بورقيبة وبن علي (هذا لا يعني تفرد هذه الكلية بالنضال دون غيرها لكن فقط هي الكلية الأكثر رمزية).
ورغم أنني لست ممن درسوا عند السيدة عمامو لاختلاف الاختصاص، لكن منذ دخولي للكلية كان اسمها متداولا بكثرة لدى أغلب الطلبة باعتبارها كانت قريبة منهم متخلية عن ذلك الغرور الأكاديمي الذي يصيب عددا كبيرا من الجامعيين، وكل من درس عندها يشهد لها بالكفاءة وبقدرتها على إفادة طلبتها في قسم التاريخ.
قيمة الأستاذة لا تكمن في دورها التعليمي فقط بل معروف عنها أنها كانت من المعارضين بشدة لنظام الرئيسين السابقين بورقيبة وبن علي ونتذكّر جيدا أنها كانت خلال انتفاضة 2011 في الصفوف الأولى إلى جانب الطلبة في مواجهة مباشرة لقوات الأمن عكس العديد من الأساتذة “الذكور” الذين إما اختاروا الارتماء في حضن النظام مبكرا أو كانوا جبناء ومتعالين على حراك الشوارع معتبرينه آلية تقليدية لم تعد تنفع، وأنا في ذلك اليوم كنت موجودا وشاهدا. وحتى قبل ذلك كانت الأستاذة عمامو في طليعة الأساتذة النقابيين والمدافعين عن الشعار الرئيسي “جامعة شعبية، تعليم ديمقراطي” وكانت لا تكل ولا تمل موفقة بين دورها الأكاديمي كأستاذة ودورها النقابي كمناضلة تدافع عن حرمة الجامعة وحريتها واستقلاليتها، هذا طبعا بالإضافة إلى دورها الريادي في الحركة النسوية باعتبارها نموذجا للمرأة المتعلّمة والمثقفة، وكل هذا ليس مستغربا باعتبارها كانت منذ المرحلة الطلابية في الثمانينات مناضلة في الهياكل النقابية المؤقتة التي دافعت بشراسة على استقلالية الاتحاد العام لطلبة تونس من محاولات الهيمنة والاختراق التي سعت إليها السلطة في ذلك الوقت.
انتخاب العميدة الجديدة لكلية 9أفريل ترافق أيضا مع صعود امرأة أخرى للكتابة العامة للكلية وهي منى المداني الشابة النشطة التي رافقتنا طيلة دراستنا في الكلية في مختلف المصالح إلى أن وصلت بفضل اجتهادها طوال عشر سنوات، وقربها من الطلبة ومعرفتها الدقيقة بالأمور الإدارية إلى مرتبة كاتب عام في كلية ليس سهلا بلوغ ذلك المنصب فيها.
الصعود النسوي لم يكن في كلية 9أفريل فقط بل جاء أيضا من معهد الصحافة وعلوم الإخبار حيث انتخبت الأستاذة سلوى الشرفي لتكون مديرة لأحد أعرق المعاهد الجامعية في تونس.
الأستاذة سلوى الشرفي مناضلة بدورها ومثقفة تونسية من عائلة عروبية (عمها الزعيم الكبير صالح بن يوسف)، كانت أيضا من النساء المناضلات خاصة في فترتي السبعينات والثمانينات معروفة بكفاءتها في مجالها وأيضا بقربها من الشأنين الحقوقي والسياسي قبل الثورة وبعدها، كما تعتبر صحفية متميزة كانت أواخر الثمانينات مراسلة للعديد من الصحف العربية والأجنبية المهتمة بحركات المقاومة الفلسطينية باعتبارها عاشت في لبنان واقتربت أو انظمت للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أواخر السبعينات وكانت لها لقاءات مع أبرز رموز الثورة الفلسطينية (جورج حبش، ياسر عرفات، غسان كنفاني)، كما كتبت أيضا عن حركات الإسلام السياسي في الثمانينات والتقت بعض رموزها (راشد الغنوشي).
وتشترك الأستاذة الشرفي مع الأستاذة عمامو في قربها من طلاّبها، فهي صديقة لأغلب من درّستهم مما جعل لها قيمة خاصة لديهم. إضافة إلى علاقتها الطيبة مع أغلب زملائها الأمر الذي كان له دور في انتخابها على رأس معهد في قيمة وأهمية معهد الصحافة الذي بالتأكيد سيشهد في فترتها نقلة نوعية بعدما عاناه طوال السنوات الماضية.

   أن تصعد امرأتان إلى رأس الإدارة في كلية في حجم 9أفريل (عمادة وكتابة عامة) وأن تصعد امرأة إلى إدارة معهد في قيمة معهد الصحافة، في واقع شئنا أم أبينا لازالت المواقع الهامة فيه حكرا على الرجال، فهذا يعتبر حدثا هاما يؤكّد الدرجة العالية من الكفاءة التي بلغتها المرأة في تونس مقارنة بواقع النساء في الإقليم، الأمر الذي يمثل حافزا لمثيلاتهن لبلوغ هذه المواقع وللتأكيد على أن المرأة عندما تتوفر لها الظروف قادرة على أن تبلغ أعلى المراتب وأن تكون في مستوى المواقع التي تمنح لها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق