Google+ Followers

الأربعاء، 9 يوليو، 2014

الخليفة» الموصلّي و«السلطان» العثملّي - محمد نور الدين



عندما بدأ رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان حملته الرئاسية من سامسون، أراد أن يوحي للناس بأنه أتاتورك الثاني... ولكن في الاتجاه المعاكس.
أتاتورك، وكان حينها فقط مصطفى كمال، بدأ من سامسون «حرب التحرير الوطنية»، أو «حرب الاستقلال»، التي انتهت بإعلان الجمهورية في العام 1923، ثم أتبعها بمجموعة من الإصلاحات التي غيرت وجه تركيا ليكون غربياً.
في خطاب ترشحه إلى الانتخابات الرئاسية، كانت رسائل اردوغان واضحة في تحديد توجهه المستقبلي. استذكر السلطان السلجوقي ألب ارسلان، قاهر البيزنطيين في موقعة ملازكرد في العام 1070. واستذكر صلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين، ومحمد الفاتح قاهر المسيحيين في القسطنطينية. لكنه لا يزال يستذكر السلطان سليم الأول قاهر الصفويين وقاتل العلويين في الأناضول.
بهذه الروحية بدأ اردوغان مساره الرئاسي، لكنه كان يستأنف المسار الذي سلكه منذ سنوات.
يتقن اردوغان لعبة التخلص من رفاق الدرب. استبعد كل القوى الديموقراطية واليسارية والعلوية والليبرالية والكردية التي ساعدته على التخلص من نفوذ العسكر. وفي وقت لاحق انتهز الفرصة ليطبق على غريمه فتح الله غولين في اكبر انشقاق للحركة الإسلامية في تركيا. ولن يطول به الوقت ليهمش رفيق دربه الوفي الرئيس عبد الله غول خصوصا إذا انتخب رئيساً.
ويريد اردوغان ممارسة دور الرجل الأول والأقوى في البلاد، وذلك لمزيد من الاستئثار في الداخل، ومزيد من التعنت في الخارج.
لم يتراجع اردوغان قيد أنملة عن سعيه ورهانه لإسقاط النظام في سوريا، وعندما فشل، عمل على ضرب الخاصرة السورية من جهتها العراقية. وحين فشل في الرهان على المنظمات «المعتدلة» التي رعاها وسلحها ودعمها، مثل «الجيش السوري الحر» و«الائتلاف الوطني السوري»، انتقل إلى دعم المنظمات المتطرفة مثل «جبهة النصرة»، ومن بعدها شقيقها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ـ «داعش».
لم تنفع محاولات إيران لتغيير موقف اردوغان من سوريا والعراق. وعندما اعتقل «داعش» الديبلوماسيين، كما اعتقل السائقين الأتراك، في الموصل كانت «المسرحية» مكشوفة. «داعش» بنظر وزير الخارجية احمد داود اوغلو، هو نتيجة للفشل في إسقاط النظام السوري. نعم ليس سوى هذا. «داعش» ليس منظمة إرهابية. يتحدث عنه المسؤولون الأتراك كما لو انه حزب سياسي عراقي، أو حتى تركي. هو «داعش» من دون أي صفات. لم يمارس إرهابا ولا مجازر ولا هدم دور عبادة إسلامية ومسيحية. ولا خوف أبدا على المعتقلين الأتراك.
من أين لحكومة اردوغان هذه الطمأنينة؟ ولماذا وكيف أطلق سراح السائقين الأتراك؟ ولماذا وكيف سيطلق غداً الديبلوماسيون في القنصلية التركية في اسطنبول؟ ولماذا تخلى الأتراك عن قلقهم من إعلان «رئيس» إقليم كردستان مسعود البرزاني دولة كردية مستقلة؟ ولماذا لا يخافون على وحدة أراضيهم ولو بعد عقود؟ ولماذا التزم اردوغان وداود اوغلو الصمت على إعلان «الخلافة» من جانب أبو بكر البغدادي ومن مدينة الموصل بالذات التي لا يزال «حزب العدالة والتنمية» يراهن على أنها ستعود لتركيا، كما يراهن منذ سنوات على عودة المستعمرات العثمانية السابقة في العالم كله إلى حضن الباب العالي؟
إذا كانت من إجابة لكل هذه الأسئلة فهو أن أولوية الانتقام والثأر من فشل «العدالة والتنمية» في سوريا والعراق هما ما يفسران كل هذا السلوك غير المنطقي وغير العقلاني تجاه قضايا الشرق الأوسط، بحيث لجأ اردوغان إلى التعامل مع «الشيطان» للتعويض عن فشله. حتى الإسلامي والمرشح للرئاسة إكمال الدين إحسان اوغلو دعا، أمس، إلى تغيير سياسة أنقرة في الشرق الأوسط والى المصالحة والسلم بين السنة والشيعة.
يعرف اردوغان أن استقلال كردستان لن يتوقف عند محطته العراقية، ومهما عمل لحل كردي يضمن وحدة أراضي تركيا فلن ينجح في ذلك، لأن قوة الهوية الكردية، خصوصا في تركيا حيث عانى الأكراد من عنصريات مشهود لها، كما لم يعانِ اي كردي آخر في المنطقة أو شعب آخر (عدا الفلسطينيين) في العالم، ستكون أقوى من أي حل آخر. لكن رغبة اردوغان في الانتقام من دمشق وبغداد أقوى من أي مخاطر مستقبلية على الكيان التركي.
ولم يتردد اردوغان في دعم كامل لتنظيم «داعش» (ومن قبله «النصرة»)، وهو الذي لم يوفر أي اعتبار أخلاقي إلا وهدمه ولا أي عمل وحشي إلا وارتكبه. وهو يدرك أن هذه الجماعات التي لا عهد للإسلام بها لن توفر حتى أنقرة من أهدافها عندما ينفك هذا الزواج الانتهازي والدموي بينهما. لكنها الرغبة الجامحة في إسقاط دمشق وبغداد وفي وقت لاحق طهران.
وها هو «الخليفة» الموصلّي يتفوق على «السلطان» العثملّي، فيعلنها «خلافة» تستوجب الطاعة. ولن يتأخر «السلطان» في إعلان الطاعة الكاملة ما دام الهدف دمشق ـ بغداد.
من منبر الموصل إلى منبر سامسون طريق واحد، ومسيرة واحدة، ومسار واحد ومصير واحد، إذ في لحظة معينة سيتناهش هؤلاء بعضهم بعضاً، ولن تبقى موصل ولا سامسون، ولن يبقى سلطان ولا «خليفة»، لأن هذا مسار يتعارض مع دفق التاريخ وعدالته وإنسانيته. وإن غدا، ولو طال، لناظره قريب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق