Google+ Followers

الاثنين، 26 أكتوبر 2015

نبوءة الرسام | الدرس الأخير في «روضة ناجي العلي» - بيروت حمّود

ا أعرف لماذا سجّلني أهلي في «روضة ناجي العلي»، مع أنها قرب ساحة «العين»، التي تبعد عن منزلنا الواقع شرق مجد الكروم مسافة كيلومتر مربع. على أي حال، عمري 3 سنوات وبدأت أتقن الكلام جيداً لأن «لساني طويل» كما تقول الجدة.
«المِسّ» في الروضة، مثل والدتي، تنتمي لحركة «أبناء البلد». ولهذا، أدركتُ لمّا كبرت لماذا لم تكن طفولتي كباقي الأطفال، في الروضات الحكومية. وأن حضور فلسطين في الأناشيد الوطنية الملتزمة التي كنا نردّدها من وراء «المِس»، لم يكن مصادفة عادية لمن يريد مقارعة الاحتلال من الداخل.
لهذا ترانا حفظنا رسوم ناجي العلي عن ظهر قلب، وعلّقناها على جدران غرفنا في بيوتنا، وفي مساكن الطلبة داخل الجامعات التي ارتدناها.
ربما لأنني كنت تلميذة «شيطانة» لمْ أهتم لشرح «المِس» عن الرسام المناضل، في ذلك اليوم، وحين كبرت فقط، وعلقت رسومه على حائط غرفتي في الجامعة أدركت أنني خسرت الكثير.
وأكاد أجزم أنه على خلاف الفلسطينيين جميعاً، حين أسمع اسم ناجي العلي أو أرى رسماً كاريكاتيرياً خاصاً به، لا يحضر للوهلة الأولى أمامي اسم فلسطين، ولا صور الشهداء مثلهم، بل تحضر ذكريات أخرى ترتبط بالروضة التي قضيت طفولتي فيها.

****
هربت بعيداً عن ملعب الأطفال لأنهم يقذفون الرمل باتجاه بعضهم البعض ولا أريد توسيخ شعري وثيابي. في الحقيقة تركتهم لأنني سمعت أصوات تكبيرات تأتي من الشارع الفوقاني وأنا ذاهبة لأتفرّج.
تتجه الجموع الغفيرة نزولاً باتجاه ساحة «الرشاد»، يحملون نعشاً على أكتافهم... ما زلت حتّى اللحظة، أروي الذي لم يصدّقه أحد: لقد رأيت الرايات الخضراء تلحق بنعش الشيخ الرفاعي، المحمول على الأكتاف!
طالعتني هذه الذكرى، فور رؤيتي للرسوم الجديدة التي نشرها خالد العلي، نجل الشهيد ناجي العلي، على أحد المواقع الإخبارية. وجلّ ما تمنيته هو أن أعود إلى الروضة، لأسمع شرح «المس»، حول هذه الرسوم.
****
أحمل حقيبتي على ظهري، سائرة إلى جانب أمي، من الدوّار الشرقي، في مجد الكروم، باتجاه وسط القرية، لاعنة الساعة التي استيقظت فيها. نتوقف عند أحد الدكاكين لشراء المثلجات، ولاحقاً حين أعبر ساحة «الرشاد»، ثم «العين» أتذكر أن المثلجات ذابت في حقيبتي، لأن شيئاً بارداً لامس ظهري، وأن أمي كانت على حق... لكن «رأسي كبير»، ولا أقبل أقوال الآخرين.
وصلنا إلى الروضة أخيراً. سلّمتني أمي إلى «المس»، ثم ذهبت إلى عملها.
الأيام تتشابه، و«المس» لا تكف عن الحديث عن الرسام الذي سُمّيت الروضة باسمه... وأنا أشعر بالضجر من الحديث عنه، ولا أرى بتلك الرسوم السوداء شيئاً لافتاً كقوس القزح الذي يحبه الأطفال في سني.
لكن «المس» ستحدثنا، اليوم، عن نبوءة الرسام... ولهذا أرقد على الكرسي الصغير مثل دجاجة، وأنتظر أن يخرج «الصوص» إلى الحياة.
***
إنه، الاثنين، تشرين الأول/ أكتوبر... رذاذ المطر يغطي نوافذ الروضة، ونحن بانتظار الكهرباء حتى نشاهد الرسوم التي سيبثها البروجيكتور على الحائط. الكهرباء لا تقطع عندنا عادة، كما في لبنان، لكنها منذ الأمس مقطوعة بسبب العاصفة.
وحين تيأس «المس» من وصول التيار الكهربائي إلى الروضة تقرّر أن تبدأ الشرح، بعدما علّقت الرسوم على اللوح.
ـ ما الذي ترونه في الصورة يا أولاد؟... أنتَ أجب.
ـ أرى رجلاً يلبس حزاماً من سيف، وهو ملقى على الأرض، وهناك جندي يصوّب بندقيته باتجاه السماء.
ـ أنت ولد شاطر... لكنني سأحدّثكم أكثر... أنتم تعرفون أنه منذ بداية هذا الشهر، يعيش شعبنا في الضفة والقدس المحتلتين أياماً أليمة، وهذه الرسمة تعبر عن الشبان الذين ارتقوا شهداء، لأن ذلك الجندي الذي يصوّب بندقيته باتجاه السماء فقد عقله، وهو يطلق النار باتجاه أيّ فلسطيني يمرّ بجانبه، بعدما شك في أنه يحمل سكيناً وينوي طعنه... حتّى إن حزام البنطال صار بالنسبة إليه حزاماً للطعن.
نتعجب لبراعة الرسام... تستدرك «المس»: وهذه الرسمة من سيخبرنا عنها؟ أجل أنتَ يا شادي، تفضل.
ـ هاي بالقدس العتيقة، في زلمة عم بسنّ السكاكين...
تقاطعه «المس»: بالفصحى يا شادي من فضلك.
ـ حسناً... لقد ذهبت، قبل شهرين تقريباً إلى القدس العتيقة... تريدين بالفصحى، أقصد القدس القديمة، ولمّا عبرنا باب العمود، رأيت هذا الرجل يسنّ السكاكين، هذه وظيفته مس، وهو لا يريد إيذاء أحد... الرسام رأى ذلك، رسمه وهو يعرف أن هناك الكثير من الجنود حوله وهم يسألونه عما يفعل، ولن يصدقوا روايته وسيطلقون رصاصة على قلبه فيستشهد.
ـ ممتاز يا شادي، تعال لأضع لكَ نجمة على جبينك.
أتمنى ان تختارني «المس» لأشرح رسمة من الرسوم، أرفع إصبعي، غير أنها تختار جمانة.
ـ قبل عدة أيام، حاول المستوطنون اختطاف طفلين أخوين قرب الحرم الإبراهيمي، لكنهم لم يستطيعوا لأن أهل الخليل قبضايات، وناجي العلي يعرف ذلك، ولهذا رسم الجنود الإسرائيليين وهم يحملون حقائبهم المليئة بمخازن السلاح، تأهباً لدخول الخليل، وحماية المستوطنين قرب الحرم... يتجادلون أين يضعونها، على ظهورهم أو على بطونهم، فيقول أحدهم إن أهل الخليل مثل أهل غزة، لا يطعنون في الظهر... الجنود خائفون لأن الشبان الفلسطينيين يدافعون عن أنفسهم بالسكاكين... صح مِس؟
ـ صحيح جمانة... خليل، لمَ أنت شارد؟ شارك معنا، واحك لنا عن رسمة النساء.
خليل، أبوه من الـ 48 وأمه من غزة، وهو يحكي مثل أهل غزة بالضبط، وأحياناً كثيرة لا أفهم ما يقول لأنه يقول الجيم مثل المصريين، هو يعيش مثلنا لأن معه هوية زرقاء، قبل إلغاء قانون لمّ الشمل.
ـ أنا شارد يا مس، لأن أقاربي في غزة، والرسام رسم عن نساء غزة، وستي تأتي من هناك إلى إسرائيل عبر «إيرز» لترى خالي الأسير في سجن شطة... أنا خايف يلاقو معاها سكين بقلب البقجة، لأنها مرات بتودي فواكه لخالي ع السجن، وأكيد بتحطلو سكين ليقشرهم... أنا خايف يطخو ستي.
تهدّئ المس من روع خليل، وتقول له إن الجدة لن تضع سكيناً... لكن جدته تستشهد بعد أيام، بسبب سكين الفواكه القادم من غزة إلى سجن «شطة».
ـ ميساء... حدّثينا عن الرسمة الأخيرة.
ـ رسم ناجي العلي أحد المرابطين، عند المسجد الأقصى... يمكن أن يكون هذا باب الأسباط المبين بالرسمة، أنا مش حافظة كل الأسماء، إسا هذا المرابط عم يتعشى، والمستوطن عم يتفرّج عليه، لأنو في سكينة ع الطاولة، يمكن هاد الزلمة عم ياكل فلافل، لأنو هاي السكينة احنا بنقصّ فيها رغيف الفلافل، والمستوطن خايف ينطعن... أصلاً مس بطّل في مرابطين كلهن أخدوهن ع الحبس، وهذا جندي عامل حاله فلسطيني عم بوكل فلافل ليحمي المستوطنين... بس المستوطن طخو لإنو شك فيه... مس، كلهن راح يموتوا من الخوف.
ـ متى سيرينا حنظلة وجهه؟
ـ عندما تنتصر انتفاضتنا ونسترجع كرامتنا، وتحرق السلطة اتفاقيات الذلّ الموقعة مع العدو، وتعود فلسطين، ويرجع اللاجئون إليها، وحنظلة إلى قرية «الشجرة»، سيدير ظهره حينها ويرينا وجهه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق