Google+ Followers

الأربعاء، 18 مايو 2016

رشيد خشانة ...عن عودة عبد الوهاب عبد الله الى قصر قرطاج

دعت رئاسة الجمهورية بمناسبة مرور ستين عاما على بعث وزارة الخارجية إلى حفل حضره حشد من الدبلوماسيين ووزراء الخارجية السابقين، تقديرا للخدمات التي قدموها لتونس. وطبعا جاءت المبادرة في محلها وأنصفت كثيرا ممن خدموا البلاد في صمت وإخلاص وتواضُع جمٍ. لكنها شملت بالتكريم أيضا شخصا لم يُسئ إلى الدبلوماسية التونسية وحسب ولم يُلوث سمعتها فقط، بل كان المُنفذ الطيع لنزوات بن علي وزوجته طيلة أكثر من عشرين عاما. 

هل يجوز اليوم رد الاعتبار لمن قال لبن علي ذات يوم، بعد النجاحات التي حققها مبعوث الأمم المتحدة إلى أفغانستان الديبلوماسي الراحل محمود المستيري، "سيدي الرئيس، العالم يعرف محمود المستيري أكثر مما يعرف زين العابدين بن علي"، فما كان من هذا الأخير إلا أن طلب من أمين عام الأمم المتحدة بطرس غالي عزل ممثله الخاص في أفغانستان، فعاد الديبلوماسي التونسي اللامع حزينا إلى بلده ليموت كمدا في إحدى مصحات المنزه.
لم توجد بيني وبين عبد الوهاب عبد الله أية مشكلة شخصية، غير أني تقاسمتُ مع عدد من الأقلام الحرة، على ندرتها، شرف التصدي لآلته الجهنمية التي انتهت بقتل الصحافة في تونس في الهزيع الأخير من العهد البائد. وفي حقيقة الأمر تمثلت "عبقرية" عبد الوهاب عبد الله في كونه استطاع أن ينسج لبن علي غلافا سميكا يعزل التونسيين عن العالم فلا يقرأون إلا ما يقرأ (هل يقرأ بن علي أصلا؟) ولا يُشاهدون إلا ما يُشاهد. لقد كان هو الأب المؤسس لمنظومة التضليل Désinformation  والقمع التي حكمتنا بلا هوادة حوالي ربع قرن بقُفاز ناعم. ومازالت آلتُه تعمل إلى اليوم بكثير من رموزها وبطانة الفاسدين التي تربت في حجرها.
قصف الأقلام الحرة واحدا بعد الآخر، بوسائل مُخاتلة لا تُبقي على آثار الجريمة، لأنه لا يثق إلا في جهاز الهاتف. جوّع إعلاميين وانتهك أعراضهم ليُفرغ الساحة من "المُناوئين". والأخطر من ذلك أنه قضى على المنابر الإعلامية الحرة والأصوات المهنية، بدون اللجوء إلى حكم قضائي أو قرار سياسي مفضوح. كل التتبعات كانت مُغلفة بقضايا تدخل في نطاق الحق العام. وفي مقابل استراتيجيا الإفراغ أرسى منظومة موازية قوامُها عدد من صحف المجاري، (ولا فائدة من تلويث هذه الورقة بذكر اسمها أو أسماء من كانوا يُديرونها). وتلك من أكبر الجرائم التي اقترفها صاحبنا، لأنه كان يُعطي التعليمات بشتم المعارضين وهتك أعراضهم وأعراض عائلاتهم وتحقير الرموز والسخرية منها بأكثر العبارات بذاءة.
أكثر من ذلك، ألف جيشا من المرتزقة من جنسيات شتى يُغدقُ عليهم في كل "مناسبة وطنية"، وحتى بدون مناسبة، الهدايا الفاخرة والمبالغ الطائلة من أموال المجموعة الوطنية، وهم عموما من المغمورين والفاشلين إعلاميا. كان هدفه الأكبر في الحياة الدُنيا هو تلميع صورة ليلى، في الداخل والخارج، لإقناع الجميع بأنها الأولى بخلافة زوجها. كان يشتغل على الوجه الافتراضي لسيدته في تنافس شديد مع اشتغال أخصائيات التجميل على الوجه الحقيقي. وأعترف أنه تفوق عليهن تفوقا ساحقا...

ليست الغاية من تنشيط الذاكرة بهذه الوقائع المؤلمة الانتقام ولا التحريض على المحاسبة المالية لأن القضاء هو الذي ينبغي أن يتولى تلك الملفات، ولكن محاسبة المسؤول عن اغتيال السلطة الرابعة في بلادنا، خاصة أن معالم مذبحته مازالت ماثلة حتى اليوم. فهل يجوز أن نصفح من دون محاسبة ولا حتى اعتذار رسمي؟

هناك 4 تعليقات: