Google+ Followers

الخميس، 26 مايو، 2016

-التأكد من صحّة الأخبار د مهدي الجندوبي


جمع الأخبار و نشرها مهمة لا تقتصر على الصحافيين إذ أن المقاهي 
والصالونات و منتديات الانترنت فضاءات تدور فيها الأخبار التي يجمعها و يروّجها كل الناس. يعتبر المهنيون أنهم يملكون خاصية تميّز عملهم الاخباري عن غيرهم تتمثل في ضمان صحة الأخبار و دقتها و لذلك تأخذ مهمة التأكد من صحة الأخبار حجما رئيسيا في عمل الصحفي سواء كان مخبرا أو محررا.

لماذا نحتاج إلى التأكد من الأخبار و ما هي الآليات الممكنة لأداء هذه المهمة؟

لماذا نحتاج إلى التأكد من صحة الأخبار؟
الخبر رواية الواقع
الواقعية قيمة من قيم الخبر الرئيسية و هي تعني أن الشخصيات و الأقوال المنقولة عنها أو الأفعال المروية في الخبر هي وقائع تم تسجيلها و لم يقع اختلاقها. فمن أسس الصحافة تطابق الخبر مع الواقع، على  عكس الأدب الذي يمكن أن يصنّف أدبا واقعيا دون أن يلتزم بالواقع بل هو شبيه بالواقع، يحاكيه و لا يعكسه بأمانة المؤرخ.
و لكن رغم هذا الحرص الشديد على قيمة الواقعية في الخبر و من دونه تنتفي الصحافة تماما فان الخبر نص مروي يقدّم صورة رمزية مختصرة صاغها الصحفي بعقله و حمّلها عن قصد أو دون قصد البعض من ذاتيته و الكثير من ثقافته إلى درجة تجعلنا نتساءل إلى أي مدى يكون الخبر ضربا من ضروب تحريف الواقع و إعادة بنائه.
يأتي التحقق ليقلص أكثر ما يمكن هذه الفجوة بين الواقع و رواية الواقع وكلما كان التحقق ملازما العمل الصحفي كلما كان الخبر أكثر ارتباطا بالواقع. فالتحقق هو ضمان واقعية الخبر.

تزداد أهمية التأكد من صحة الأخبار عندما نعلم أن مباشرة الحدث من قبل الصحفي ليست دائما ممكنة سواء بالنسبة الى الأحداث المتوقعة أو بالنسبة الى الأحداث غير المتوقعة. فاذ تسمح عادة الأحداث المتوقعة بحضور الصحفي من غير صعوبة تذكر لمتابعة مجريات الأمورمن بداية الحدث فانه على العكس من ذلك تبقى بعض الأحداث المتوقعة غير متاحة الى الصحفين مثل اجتماعات مجلس الوزراء.
أما بالنسبة الى الأحداث غير المتوقعة فان الصحفي يصل إلى موقع الحدث بعد انتهاء الواقعة و يعتمد مصادر متعددة ليعيد تركيب مجريات الحدث حسب رواية المصادر.
و سواء في الحدث المتوقع المغلق أو في الحدث غير المتوقع يعتمد الصحفي رواية المصادر فيتحول الخبر إلى رواية الصحفي لرواية المصادر و تتضاعف فرص الخطأ و تتأكد أكثر من أي وقت أهمية التحقق.
يقول جون أولمن " إن الصحافة بأسرها تقريبا، تتبع هذه المقولة : إننا لم نكن هناك و لم نر ما حدث، و من ثم فعلينا أن نجمع أجزاء ما لدينا من
قصور ذهني و خطأ غير مقصود."
أداة جمع الأخبار ليست الأذن بالنسبة إلى نقل الأقوال و التصريحات و ليست العين بالنسبة للمطالعة و المشاهدة، بل هو العقل و لا فائدة في الإطالة عند الحديث عن الأخطاء التي يتسبب فيها العقل و كل تاريخ المعرفة البشرية تمثل في الوعي بقصور العقل و تطوير أساليب ترشيد العقل ليكون أداة سليمة لجمع الحقائق و تحليلها. فعقل الصحفي و قصور إدراكه سبب رئيسي لخطأ غير مقصود و تأكيد إضافي على وجوب التحقق من صحة ما نسمعه و ما نراه.

خطأ مقصود و حدود الأمانة الصحفية لأن الخبر رهان بين أطراف اجتماعية متصارعة
إذا كان الصحفي عقلا قاصرا مثل بقية العقول البشرية فهو أيضا إنسان منخرط في شبكة من العلاقات الاجتماعية و المصالح الضاغطة التي تجعله يرى و يسمع ليس ما يمليه عليه الواقع و لكن ما يريده أصحاب القرار لأن بعض أوجه الواقع قد لا تعجب و قد تزعج و قد تهدد مصالح جهة من الجهات التي لا يريد الصحفي أن يفقد صداقاتها و عطاءاتها أو يهاب شوكتها. ففي غياب التحقق و الجرأة على رصد الواقع بأمانة يميل الصحفي الى صياغة خبر يهدف إلى إرضاء أصدقائه أكثر من إرضاء ضميره المهني.
آليات التأكد و أساليبه
الشك طريق اليقين
من مكاسب تطوّر الفكر الإنساني وعي الإنسان بصعوبة الوصول إلى الحقيقة و اكتشافه أن العقل ينتج الصواب و الخطأ و أن الصواب و الخطأ متداخلان و متشابهان و أن الفصل بينهما يحتاج إلى إخضاع كل منهما إلى سلسلة من العمليات العقلية التي طورتها مختلف العلوم الإنسانية و أساسها استعمال التحليل المنطقي.
الشك هو عكس التصديق العفوي و الآلي للحقائق هو التعطيل الوقتي للتصديق في انتظار إعمال الرأي . فالشك هي فرصة تعطى للتحري ثم القبول أو الرفض لذلك قيل قديما الشك طريق اليقين.
و في صورة استمرار الشك عليك ترك المعلومة و عدم نشرها
 مفارقة السبق و التحري

ثقافة السبق الصحفي المنتشرة في الوسط المهني عدو التحقق لأن التحقق يعني التأني و عدم الاكتفاء بتسجيل ما حصلنا عليه من معلومات و لكن إخضاع هذه المادة إلى سلسلة من العمليات العقلية و من أساليب التحري و يؤدي كل ذلك إلى إطالة المساحة الزمنية بين علم الصحفي لأول مرة بالوقائع و قرار النشر بينما السبق يحتاج بالعكس إلى تقليص المساحة إلى درجة العمل الفوري الذي يجعل الصحفي يكتشف مع المتلقي الأخبار و هذا ما يسمح به البث المباشر الاذاعي و التليفزيوني
نقد المصادر
و يسمى أيضا النقد الخارجي أي النقد الذي لا يتعلق بمضمون الخبر و لكن بالظروف التي أوصلت الخبر الى الصحفي و أهمها طبيعة الواسطة التي حملت الخبر أي مصدر الخبر.
هل المصدر الذي يخبرني هو المصدر المناسب؟
المصدر المناسب حسب الحالة هو المصدر المعني مباشرة بالموضوع و هو طرف رئيس في الحدث أو هو على علاقة وثيقة بهذا الطرف.ما هي طبيعة هذه العلاقة و ما مدى وثوقها و متانتها (ناطق رسمي، مكلف بالعلاقات العامة، عضو في لجنة، موظف سامي مقرب من أصحاب القرار أو هي علاقة محدودة أو هشة...)

هل المصدر في موقع يسمح له بالاطلاع على ما يرويه لنا؟( موقعه في سلم المسؤوليات)
هل المصدر مطلع بالقدر الكافي من ناحية الخبرة؟

هل هو مصدر أولي أو مصدر ثانوي ؟
يمكن الحصول على المعلومات من مصادرها الأصلية مثل الحصول على تعميم جديد لوزير التربية كما يمكن الحصول عليها من مصادر ثانوية مثل الحديث مع ولي أمر سمع أثناء اليوم المفتوح مدير المدرسة يتحدث عن إجراءات جديدة لوزير التربية حسب آخر تعميم. كما يمكن أن نحصل على رقم حول عدد السكان من وثيقة تعداد السكان التي يصدرها مركز المعلومات و الإحصاء أو من تقرير صحفي حول المسألة السكانية.
من شروط التحقق اختيار المصدر المناسب و الرجوع إلى المصادر الأولية و هذا لا يعني إهمال المصادر الثانوية و لكن اعتبارها منطلقا و منبه يضعك في طريق الحصول على المعلومة و التأكد من سلامتها أو من دقتها.
هل المصدر منحاز أو صاحب مصلحة أو متحامل؟
هل سبق أن تعاملت أو تعامل زملائي مع نفس المصدر في مواضيع أخرى ما هي الصورة التي يحظى بها في الوسط المهني: مصدر جدي، مصدر دقيق أو مصدر غير موثوق و هكذا يتم التعامل في الحالة الحاضرة استئناسا يالخبرة الماضية.
تقاطع المصادر
يندر أن ينفرد مصدر واحد بمعلومة لأن تشابك العلاقات و المصالح يجعل أن أكثر من طرف له علاقة بالموضوع و قد يكون على اطلاع بنفس الوقائع و لذا يعود الى الصحفي كلما حصل على معلومة من مصدر أن يحاول تأكيدها من مصدر آخر و في صورة تطابق الوقائع من مصدرين و أكثر يمكن أن نقول أن المعلومات التي حصلنا عليها سليمة.

التقاطع ليس مجرد تواتر الخبر من مصادر متنوعة بصفة عفوية لأن الكثير من المصادر قد تجترّ نفس المعلومة دون تأكّد و هكذا يتكرّر الخطأ و تكراره كما شيوعه ليست علامة صحته و هذه ظاهرة نجدها كثيرا في الصحف التي تنقل عن بعضها يصفه آلية فيخيّل لنا أن المصادر تعددت بينما في الواقع هو مصدر واحد نقلت عنه الجرائد و وسائل الإعلام الأخرى. هذه وضعية شبيهة بزواج الأقارب الذي يضاعف احتمال نشوء الإعاقات ووجه الشبه هنا أن وسائل الاعلام هي أسرة واحدة و هي مصادر ثانوية و ليست أصلية.
يسمح تقاطع المصادر من استغلال أخبار واردة من مصادر ثانوية أو مصادر محدودة الثقة على أساس أنها منطلق يضعنا في سكة خبر إذا نجحنا في تأكيده من قبل مصدر رئيسي أو مصدر موثوق لأن المصادر الثانوية ليست دائما كاذبة.
التأكد من دقة المعلومات
أبسط أشكال التحقق تتعلق ب:
·       سلامة أسماء الشخصيات عند اقتباس الكلام المنقول و عدم إسناد كلام شخصية إلى أخرى خاصة عند تواجد هذه الشخصيات في ميدان واحد
·       كذلك صحة كتابة الأسماء و دقة الوظائف و عدم الخلط بين الوظائف أو اسناد وظيفة أعلى أو أدنى للمصدر
·       دقة المواقع و المدن بالرجوع إلى الموسوعات و القواميس و الأطلس و الكتب السنوية و كتب الوقائع و الأدلة
·       دقة الأرقام  مثل عدم الخلط بين عدد المواطنين و عدد السكان (مواطنين و مقيمين)
النّقد الداخلي للوثيقة
تقييم عقلي يتناول مضمون المعلومات التي وصلت الصحفي و مدى انسجامها مع ما يعرفه الصحفي بالرجوع الى اطلاعه المسبق على السياق السياسي و الاجتماعي و الثقافي للبيئة التي يتعلق بها الخبر.و هذا ما يؤكد أهمية الثقافة العامة التي يحظى بها الصحفي و مدى متابعته. إذا لاحظ الصحفي أن مضمون الخبر في تناقض صريح مع ما تعود عليه من المواقف و الأفعال التقليدية للأطراف الاجتماعية فذلك لا يعني أن الخبر غير صحيح و لكن هناك احتمال مرتفع لأن يكون كذلك و يتأكد التأني للشروع في عملية التحقق.
التحليل الداخلي يخضع النص ( سواء كان شفويا في شكل تصريح أو مكتوبا في شكل وثيقة) إلى تحليل أدبي يتناول العناصر الإخبارية كما يتناول الأسلوب.
هل هناك نقاط متناقضة بصفة صريحة داخل النص و ما هو سبب هذا التناقض
هل النص يحمل معلومات دقيقة و ما هي العناصر التي تشكو من عدم الدقة
هل يشتمل النص على مؤشرات تدل على اتجاه فكري أو سياسي و قد توحي بدرجة من الانحياز.المتابعة المنتظمة لأدبيات الجمعيات السياسية تجعلنا بسرعة ننتبه من مجرد استعمال بعض الكلمات و المصطلحات الى المدرسة الفكرية أو الخط السياسي الذي ينتمي إليه صاحب القول.

تقييم نوعية المادة الإعلامية التي يقدمها النص هل هي وقائع فعلية ملموسة قابلة للتأكد أم هي أرقام أو تصريحات تعرض لمواقف و أفكار و في أغلب الأحيان نجد تداخل و خلط بين هذه الأصناف و يعود للصحفي تفكيك العناصر و تصنيفها حسب طبيعتها الإعلامية لتسهيل عملية التأكد
من الطبيعي أن النقد الداخلي مهارة أساسها التحليل أي القدرة على استنباط المعني و النفاذ إلى ما وراء الكلمات و عدم الاقتصار على الفهم المباشر و السطحي للنص و هو يشترط خبرة طويلة و تعود على التعامل مع عالم الأفكار و المعلومات.
نتيجة التحقق:
ينتهي التحقق بواحد من القرارات التالية:
·قرار النشر لأن الخبر متأكد
·قرار عدم النشر و الإهمال لأن الخطأ متأكد
·قرار إرجاء النشر و التضحية بالسبق الصحفي لمواصلة عمليات التحرّي و التأكد ( الإرجاء إلى دقائق بالنسبة إلى وكالات الأنباء و المواقع الالكترونية و الإذاعة)  أو إلى ساعات أو أيام إن لزم الأمربالنسبة الى الصحافة المكتوبة.
·قرار النشر مع التحفظ و الاحتراز و إعلام القارئ و المتلقي بعدم تأكد الخبر كليا أو جزئيا مع وجوب استعمال عبارات تدخل الشك مثل ( قد يكون....من المحتمل أن يكون...) أو ذكر أنها شائعة واسعة الانتشار و لم يقع تأكيدها...و الأفضل عدم المبالغة في استعمال هذا الحل.



المصدر: د. عوض هاشم، د.المهدي الجندوبي، دليل كتابة الخبر، نشر وزارة الإعلام بالبحرين، 2010، 214 ص.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق