Google+ Followers

الجمعة، 8 يوليو، 2016

الرياضة في الأدب: من هامنغواي إلى غاليانو - ساري موسى


ذِكر الرياضة في الأعمال الأدبية يرد منذ أمد بعيد. ما تباين مع الزمن هو تطور العلاقة بينهما، إذ نجد تزايداً مستمرّاً لحضور الرياضة في القصص والروايات إلى حد أنّها أصبحت محرك الأحداث والشخصيات في بعضها البعض، والموضوع والحدث الأوحد في بعضها القليل الآخر، بعدما كانت ترد في مشاهد متفرقة تساهم دوماً في تنشيط العمل وإعطائه الزخم والحركة.

أنواع الألعاب الرياضية المذكورة في الأدب متنوعة، بدءاً من الألعاب الرياضية القديمة التي أصبحت اليوم مجرد مسابقات في دورات الألعاب الأولمبية، فيما لم تكن كذلك وقت الكتابة عنها. لم تكن رياضة فقط، ولم يكن محتملاً أن يطلق عليها اسم لعبة، بل كانت وسيلة للدفاع عن الشرف تحسم من خلالها المنازعات، وتودي بأرواح الخاسرين فيها، نتحدث عن المبارزة التي تحدّى بها دون كيخوته طواحين الهواء في رواية الإسباني ميغيل دي ثيربانتس التي يعتبرها البعض أقدم الروايات الواصلة إلينا، وهي التي طوت العام الماضي أربعة قرون على إصدارها. والمبارزة أيضاً هي الرياضة التي عُنونت باسمها إحدى القصص الطويلة لتشيخوف. وتشكل الرياضات الشعبية ذات الطابع المحلي التي تتباين من بلد لآخر وحسب القارات، مشاهد حاضرة في روايات مختلفة. يغلب على هذه الرياضات الطابع القتالي والحماسي، ويكون عناصر اللعب فيها حيوانات على الأغلب، ويكتفي العنصر البشري بكونه متفرّجاً أو مدرّباً. ففي أميركا اللاتينية نقرأ عن مصارعة الديوك التي يوردها غابرييل غارسيا ماركيز في "ليس لدى الكولونيل مَن يكاتبه". وفي أميركا الشمالية لا يكفُّ أبطال أرنست همنغواي وتشارلز بوكوفسكي وغيرهم عن التردّد إلى مضامير سباقات الخيل وعن المراهنات المدمنة على الخيول. دون نسيان الألعاب التي ترتبط ببلد معين وتميّزه، حيث لا يكاد بول أوستر يستثني بطلاً من أبطال رواياته من شراء جريدة لمتابعة نتائج فريقه المفضل في دوري البيسبول الأميركي، ولا يبخل همنغواي في الحديث عن الرياضات المميّزة في البلدان الأوروبية التي عاش فيها، كمصارعة الثيران في إسبانيا وسباق الدراجات الهوائية في فرنسا.
ولعل الكاتب الأميركي هو أكثر الكتّاب الذين ذكروا أنواعاً رياضية متعددة في أعمالهم، وزادوا من أهميتها في العمل بجعلها محركاً أساسياً للأحداث والشخصيات. ففي روايته الأولى "لا تزال الشمس تشرق" يسافر الصحافي جاك بارنز في عطلة مع أصدقائه من باريس إلى إقليم بامبيلونه في إسبانيا خصيصاً لحضور العيد، "الفييستا"، الذي يتخلّله، كما بتنا نشاهد في التلفزيون، حفلات مصارعة ثيران، تُفلت قبلها الحيوانات الضخمة الهائجة في الأزقة لتجري وراء الجمهور الذي يقودها نحو الحلبة، مع احتمال دائم لوقوع ضحايا تنطحها الثيران أو تدهسها. إحدى شخصيات هذه الرواية كان بطلاً في الملاكمة في فترة شبابه الجامعية، وهي الرياضة التي يتناولها همنغواي في أكثر من قصة له. ولا تخلو هذه الرواية من صفحات بديعة تصف رحلة لصيد السمك في أحد الأنهار، وهي الرياضة التي أولع بها، وخصّص لها روايته الأشهر "العجوز والبحر". صيد آخر يحضر في رواية أخرى له، وهي الرماية التي يمارسها الكهل في "عبر النهر ونحو الأشجار" على البط، وهي أيضاً معتمدة كمسابقة الألعاب الأولمبية.
يبقى الكاتب الأوروغوياني إدواردو غاليانو هو من أرسى مستوى جديداً من العلاقة بين الرياضة والأدب، بكتابته عملاً كاملاً لا مكان فيه لأيّ شيء سوى كرة القدم. الكاتب الشغوف بالكرة كبقية أبناء بلده وقارته، والذي كان يحلم بأن يصير لاعباً لكنّه لم يكن يلعب جيّداً إلّا في الليل، أثناء نومه، كما يعترف في مقدمة كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل" الذي وضعه في العام 1995. يقدّم في هذا الكتاب تأريخاً لأهمّ لحظات كرة القدم في القرن الماضي. لا مكان للحب، لا مكان للحرب، لا مكان للمعتقدات المختلفة. تصبح كرة القدم في هذا الكتاب هي المعشوقة والمعبود والأفيون الجديد للشعوب والعائلة وكأس الشرب. بسببها تندلع الحروب، وبفضلها تعلن الهدن، كما حصل مرة في الحرب بين نيجيريا وبيافرا، وذلك من أجل مشاهدة بيليه يلعب.
لا يخلو كتاب غاليانو من المرور على أحداث رياضية ذات خلفيات تاريخية وعسكرية وسياسية واقتصادية. الرياضة تظلّ مجالاً يتيح للأمم الأضعف في المجالات الأخرى ردّ اعتبارها كما حصل مع سويسرا في مونديال 1938 التي أسقطت الفريق النازي المستفيد من خدمات خمسة من لاعبي النمسا التي كان قد ألحقها بألمانيا حديثاً، وقد جاءت هذه الهزيمة بعد هزيمة أخرى مُني بها ملاكم جرماني من قبل ملاكم زنجي في نزال بينهما جرى في نيويورك. الخشية من الهزيمة في المونديال نفسه هي ما دفعت موسوليني لإرسال برقية إلى لاعبيه عشية المباراة النهائية لا شيء فيها أكثر من الكلمات الثلاث التي فعلت فعلها: "الفوز أو الموت".
نقرأ أيضاً في كتاب غاليانو نقداً مبكراً نسبياً لتحويل كرة القدم إلى سلعة تجارية، يراكم من خلالها ملاك النوادي الثروات ويبيضونها، ويصل من خلالها أعضاء ومسؤولو الاتحادات الكروية، والاتحاد الدولي نفسه، إلى الثراء، فيما يحرم محبّو اللعبة الأكثر شعبية في العالم من مشاهدة المباريات لاضطرارهم لدفع مبالغ لا طاقة لهم على دفعها عند كل حدث رياضي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق