Google+ Followers

الجمعة، 23 سبتمبر، 2016

التعديل الذاتي ومواثيق التحرير في تونس - ياسين بن سعد


التعديل الذاتي في وسائل الاعلام هو تجسيم لرغبة مشتركة بين المهنيين في تحديد ضوابط نوعية متعلقة بالتحرير والتقيد بها لضمان مادة إعلامية دقيقة وموضوعية وإقامة علاقة تفاعل مع الرأي العام توسع قاعدة الديمقراطية.
ان التعديل الذاتي لا يعني بأي حال من الأحوال فرض نوع من الرقابة على الاعلام عبر الالتزام بمعايير محددة وانما هو آلية لضمان التقيد بأخلاقيات المهنة الصحفية والتي ترتكز بالأساس على توفير المعلومة الصحيحة واحترام خصوصيات الناس وتنوع الأفكار
.
كما انه استجابة لملاحظات الجمهور وشكاويه حول بعض الأخطاء التي يقترفها الصحفيون مما يسمح لاحقا بتصحيحها وتوفر مضمون صحفي يتسم بالجودة.
يمكن التعديل الذاتي وسائل الاعلام من المحافظة على مصداقيتها وترسيخ الانطباع لدى الجمهور بأن الاعلام مسؤول.
وبالتوازي مع ذلك تساهم هذه القناعة في حماية استقلالية الصحفيين ومحاسبتهم على أخطائهم ليس من قبل السياسيين الذين يمسكون بالسلطة وإنما من قبل زملائهم في المهنة.
في هذه الحالة أيضا يشكل اللجوء إلى هيئات التعديل الذاتي لمحاسبة الصحفي على أخطائه، وسيلة فعالة لتخفيف الضغط الذي يسلط على النظام القضائي عندما يطالب بمعاقبة الصحفي .
تعدّ استقلالية الصحافة كما يتضح واحدة من الرهانات الأساسية لعملية التعديل الذاتي لكن «لا يمكن للصحفي الجاهل بقواعد مهنته الفنية والأخلاقية أن يكون مستقلا حتى إذا أراد ذلك فالصحافة حرفة تقتضي الكفاءة قبل أن تكون سلطة تستحق الدفاع وإذا أراد الصحفي أن يكون مستقلا فعليه أن يكون عالما بالمقتضيات العملية لهذه الاستقلالية في ممارسته المهنية اليومية(...).
لا يكتسب الصحفيون والمؤسسات الاعلامية الاستقلالية عبر استبعاد السلطة السياسية من مجال فعلهم فحسب بل كذلك من قدرتهم على إدارة شؤونهم في إطار ما يسمى التعديل الذاتي (autoregulation) .
بصفة عامة إذن يعتبر التعديل الذاتي في قطاع الاعلام إحدى التجليات البارزة للحياة الديمقراطية ولتخلص الاعلام من هيمنة أو تأثير السلطة السياسية وهو بهذا المعنى آلية من الآليات التي تصب في مصلحة الجمهور والمجتمع عموما والصحفيين بوجه خاص باعتباره يضمن حرية هيئات التحرير ويحد من تدخل الدولة ويشجع على إنتاج مضمون إعلامي يتسم بالجودة كما أنه يعكس احساس وسائل الاعلام بالمسؤولية وهذا فضلا عن كونه يتيح (وهو الأهم) للناس الاطلاع على طبيعة عمل الصحافيين وإبداء ملاحظاتهم بشكل مباشر وعرض شكاويهم المتعلقة بأخطاء وتجاوزات وسائل الاعلام لأخلاقيات المهنة الصحفية.
إن الحديث عن التعديل الذاتي يرتبط كما يتضح بالأخلاقيات وبالوسائل والأطر التي تضمن احترامها والتقيد بها والتي يمكن أيضا أن تعرض أفكارا لتطويرها، وهذه الوسائل أو الأطر أو الآليات على وجه الدقة قد تكون مدونات السلوك داخل المؤسسات الصحفية أو مواثيق الشرف الاعلامية ومجالس التحرير أو مجالس الصحافة .
أخلاقيات الاعلام
مفهوم الأخلاقيات
عرف أرنت أخلاقيات الاعلام بأنها عملية صنع الاختيار (choice making) في وسائل الاعلام بمعنى أن القرار الذي يتخذه الصحفي لا بد أن يقوم على مبادئ أخلاقية وأن القرار الأخلاقي يعتمد على الاختيار وأن هذا الاختيار لا بد أن يبنى على المعرفة والحرية والنقد.
التعريف الاجرائي لأخلاقيات الاعلام ينص على أنها «منظومة من المبادئ والمعايير التي تستهدف ترشيد سلوك الاعلاميين خلال قيامهم بتغطية الأحداث وتوجيههم لاتخاذ القرارات التي تتناسب مع الوظيفة العامة للمؤسسات الاعلامية ودورها في المجتمع وضمان الوفاء بحقوق الجمهور في المعرفة وإدارة المناقشة الحرة مع التقليل إلى أقصى حد من الأضرار التي يمكن أن تلحق بالجمهور أو الأفراد أو المصادر، وضمان حماية كرامة المهنة ونزاهة الصحفيين .
يعرّف قاموس الصحافة والاعلام أخلاقيات المهنة الصحفية بأنها «مجموعة القواعد المتعلقة بالسلوك المهني والتي وضعتها مهنة منظمة لكافة اعضائها، حيث تحدد هذه القواعد وتراقب تطبيقها وتسهر على احترامها، وهي أخلاق وآداب جماعية وواجبات مكملة أو معوضة للتشريع وتطبيقاته من قبل القضاة (...) إذن فأخلاقيات المهنة الاعلامية هي مجموعة القواعد والواجبات المسيرة لمهنة الصحافة  أو هي مختلف المبادئ التي يجب أن يلتزم بها الصحافي أثناء أدائه لمهامه أو بعبارة أخرى هي تلك المعايير التي تقود الصحفي إلى القيام بعمل جديد يجد استحسانا عند الجمهور .
يؤكد الدكتور الصادق الحمامي على أن هذه المعايير تتصل بالكتابة وعرض الوقائع وبعلاقة الصحفي بالأطراف الأخرى مثل المصادر والمؤسسات وتمثل هذه المعايير التزاما جماعيا طوعيا فالأخلاقيات يصوغها الصحفيون بأنفسهم في إطار النقابات المهنية أو تضعها مؤسسات الميديا وعلى هذا النحو تختلف الأخلاقيات عن القانون من حيث أنها من إبداع الجماعات المهنية ذاتها في إطار ما يسمى التنظيم الذاتي .
بصفة عامة إذن تكوّن الأخلاقيات الصحفية جملة القواعد التي تنظم من خلالها مهنة الصحافة سلوك أعضائها عند أدائهم لعملهم اليومي وهذه القواعد أو المبادئ قد تضيق أو تتوسع حسب خصوصية كل بلد لكن توجد جملة من المبادئ الأساسية والمشتركة والتي يتعين على كل الصحافيين الالتزام بها.
على سبيل المثال يحدد ميثاق شرف الفدرالية الدولية للصحافيين عددا من القواعد الأخلاقية التي تفرض احترام الحقيقة وحق الجمهور في الوصول إليها والتزام الصحافيين بالدفاع عن الحرية من خلال النقل الصادق والأمين للأنباء ونشرها وكذلك ضمان الحق في إبداء تعليقات وآراء نقدية بشكل عادل.
كما يلتزم الصحفي باستخدام وسائل مشروعة للحصول على الصور والأنباء والوثائق وعدم تزييف أي وثيقة وبذل أقصى طاقته لتجميع وتعديل معلومات نشرت ووجد أنها غير دقيقة والمحافظة على سرية مصادره والتنبه إلى التمييز أو التفرقة على أساس عنصري أو ديني أو المعتقدات السياسية أو على أساس الجنس واللغة بالاضافة إلى ذلك سيعتبر الصحفي، الانتحال والتفسير بنية السوء، الافتراء، الطعن، الثلب والاتهامات دون أدلة بمثابة أخطاء مهنية جسيمة كما يرفض تلقي أي هدية من أجل نشر خبر أو عدم نشره.
مواثيق الاعلام
تلعب المواثيق الاعلامية أدوارا مهمة في حياة الصحفيين المهنية وتقدم لهم فوائد عديدة منها استقلالية مهنتهم وخضوعها لمبدإ التعديل الذاتي وإبعاد تدخل السلطة عبر القانون.
كما تولّد هذه المواثيق انطباعا لدى المجتمعات بأن أرباب هذه المهنة قد توصلوا إلى فهم موحد في ما بينهم كما تساهم في تشكيل شخصية معنوية للصحفيين واعتراف المجتمع بأن هذه المهنة تتميز عن غيرها من المهن.
يؤدي الالتزام بالمواثيق أيضا إلى تدعيم حرية الصحافة من خلال الحرص على تحسين الأداء وربطه بالمسؤولية المهنية للصحافيين .
بصفة عامة تتجسد من خلال المواثيق أخلاقيات المهنة الصحفية. وضمن هذا السياق نشير إلى أنه في المستوى العالمي هناك ميثاق ميونيخ الذي اعتمد في 24 نوفمبر 1971 ويتضمن عشرة واجبات و5 حقوق تتعلق باحترام الحقيقة (الوقائع) والمصادر والمحافظة على سريتها وبالتعامل مع المعلومات غير الموثقة والتمييز بين الصحافة والاعلان والعلاقات العامة. وينص ميثاق ميونيخ كذلك على حقوق الصحفيين التي تتصل بحماية الحق في النفاذ إلى المعلومات ورفض التبعية وبحق الهيئات التحريرية في معرفة الخط التحريري (...) وهناك في مستوى ثان المواثيق الأخلاقية التي تضعها المنظمات المهنية للصحافيين وفي مستوى ثالث تتجسد الأخلاقيات في المواثيق الأخلاقية التي تضعها مؤسسات الميديا. وتتضمن هذه المواثيق المبادئ الكبرى التي تقوم عليها السياسة التحريرية والضوابط الأخلاقية التي يلتزم بها الصحافيون العاملون بها .
من الناحية التاريخية يمكن القول ان الجيل الأول من المواثيق الصحفية ظهر في بعض الدول هي السويد 1916 وفرنسا 1918 وأمريكا 1926 كما ظهر ما يمكن أن نسميه الجيل الثاني من المواثيق بعد منتصف القرن العشرين وتحديدا مع بداية السبعينات حين تبنت جمعية الصحفيين المحترفين في أمريكا ميثاقا جديدا (1973) وكذلك جمعية رؤساء تحرير الصحف الأمريكية ثم انتشرت فكرة إصدار مواثيق أخلاقية خلال السبعينات في الكثير من الدول. أما الجيل الثالث الذي بدأ مع عقد التسعينات وحتى نهاية القرن العشرين فهو الجيل الذي سيكون أكثر قربا منّا من الناحية التاريخية.
لقد أجري مسح قامت به جامعة أوهايو سنة 1983 شمل (903) مؤسسة اخبارية وقد تبين أن ثلاثة أرباعها (625 مؤسسة) لديها سياسات مكتوبة حول أمور مثل العمل الخارجي وقبول الهدايا من قبل المراسلين والمحررين .
المواثيق الاعلامية في تونس
لا تمتلك المؤسسات الاعلامية التونسية تقاليد راسخة في مجال التعديل الذاتي للمهنة الصحفية بالنظر إلى خضوعها على مدى عقود لسلطة الحزب الواحد أو لوجود قوانين زجرية تمنع التنظيم الديمقراطي للاعلام.
هذه الوضعية بدأت تتغير بعد 14 جانفي 2011 فقد صاغت بعض المؤسسات الاعلامية (أو اعتمدت بصفة عملية) مواثيق اعلامية وكانت الريادة لمؤسسة التلفزة التونسية فقد أعلنت في بداية ماي 2012 عن مشروع مدونة سلوك أو على وجه الدقة عن سياستها التحريرية وتتضمن المدونة توطئة و10 بنود ترتبط بمحاور كبرى اضافة إلى مبادئ عامة، وتتعلق البنود أساسا بخدمة المصلحة العامة (المرفق العمومي) والاستقلالية والحياد والانصاف والدقة واحترام الخصوصية وحماية الأطفال والضعفاء وتغطية الانتخابات والاستفتاءات.
أشار القسم الأخير من المدونة (مبادئ عامة) إلى أنه يحق للصحافي أن يرفض إنجاز عمل كلف به عندما يكون هذا العمل مخالفا للمبادئ الأخلاقية المنصوص عليها في الميثاق على أن يقدم المبررات الداعمة لرفضه ولا يفضي الرفض إلى عقوبة أو ضرر أو اعفاء كما أن المدونة تكون هي الفيصل في المهنية حيث يتم الاحتكام إليها في تحديد المسؤولية عن الأخطاء المهنية ويمكن أن تترتب عقوبات تحددها الادارة.
بعدها ركزت اذاعة شمس اف ام هيئة التحرير ثم تولت
بدعم من عدد من الخبراء إعداد ميثاق لأخلاقيات المهنة  (2012) وقد استأنست في هذا التوجه بتجارب  بعض المؤسسات الاعلامية  في الديمقراطيات العريقة  والتي تملك مواثيق تحرير  وكان  ميثاق الاذاعة أشبه بدستور داخلي يعود إليه الصحفيون والادارة متى  حصل اختلاف حول قضية معينة أو حدث خطأ .
بعد مؤسسة شمس أف أم  أعلنت إذاعة «موزاييك» الخاصة في 18 نوفمبر 2013 عن ميثاقها التحريري الذي تضمن 20 بندا أشار الأول إلى التزام الاذاعة بحرية التعبير وحق المواطن في الحصول على المعلومة وترسيخ المسار الديمقراطي وبرفض الدعوات إلى الكراهية والعنصرية الدينية والتحريض على التمييز والعداوة والعنف وباحترام خصوصية الأفراد.
المبادئ الأخرى تعرضت إلى الاستقلالية والدقة في نقل الخبر والحياد وحماية المصادر والتصويب وحق الرد ورفض الثلب والتشهير وطريقة التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي ورفض قبول هدايا وآلية التعامل مع شكاوى الجمهور.
كان لافتا في هذه المدونة تضمنها لفصل متعلق بموقعها الالكتروني هو الفصل 11 تحديدا وقد أكد على التالي: «يعمل صحفيو الواب في «موزاييك» على احترام قواعد العمل الصحفي وهي التثبت من الخبر قبل نشره باستثناء الأخبار المذاعة والتأكد لدى مصادر الخبر من صحة المعطيات والأخبار الواردة في مواقع ويب أخرى قبل نشرها واحترام القواعد الأساسية في تحرير الخبر وذلك بوضع التصريحات بين ظفرين ونسبتها إلى أصحابها.
بعد أشهر قليلة التحقت وكالة تونس افريقيا للأنباء (الوكالة الحكومية) بقائمة المؤسسات التي تملك ميثاقا للتحرير وقد تم في ندوة صحفية يوم 26 مارس 2014 الاعلان عن هذه الوثيقة .
تضمن الميثاق توطئة عامة تؤكد على ان الوكالة مرفق عمومي يسعى لخدمة المجموعة الوطنية دون محاباة أو مفاضلة أو تمييز وتوزع بين عدة محاور هي الاستقلالية والدقة والمهنية والمسؤولية والنزاهة.
أشارت الوكالة إلى أن هذه المبادئ المضمّنة في الميثاق وفي الدليل التحريري تسري على كل دوائر التحرير وتطبق على الفضاء الالكتروني الخاص بالمؤسسة وأن الميثاق مرفق به دليل تحريري خاص بالوكالة يتضمن تفصيلا لكيفية التعامل مع الاشكال المختلفة للمضامين الاعلامية التي تنتجها الوكالة وتسهر على الالتزام بما ورد في هذا الميثاق وتفعيله هيئة مصغرة أو وسيط يكون حلقة الوصل بين التحرير والجمهور.
كما لاحظت أن هذه الوثيقة قابلة للتحيين كلما استجدت موضوعات أو اعترضت المحررين مسائل تستوجب طرقا في التعامل لم يقع التنصيص عليها وتعرض الاقتراحات الجديدة على هياكل التحرير للتشاور بشأنها وإضافتها بعد الموافقة عليها.

المراجع

 Le Guide Pratique de l’Autorégulation des Médias  micklos haraszti - OSCE - Vienne 2008

د. الصادق الحمامي: استقلالية الاعلام: الشروط والآليات - انظر مدونة الصادق الحمامي

د. علي منعم القضاة ـ قوانين الاعلام وأخلاقياته - المركز الأردني  لأبحاث الإتصال الجماهيري

مؤسسة حرية للحقوق والحريات والتطوير الاعلامي ـ مبادئ وأخلاقيات العمل الاعلامي جويلية 
 2013

د. الصادق الحمامي -  الصحفيون وأخلاقياتهم في زمن الميديا الاجتماعية - مدونة الصادق الحمامي 

أكد الرئيس المدير العام للوكالة الطيب اليوسفي أهمية هذا الميثاق التحريري الذي يعد آلية للتعديل الذاتي وضمانة لكافة الأطراف داخل المؤسسة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق