Google+ Followers

الأحد، 23 أكتوبر، 2016

الغازي العثماني.... عن حلب والموصل وكركوك وتلعفر


تنهّد رجب طيب أردوغان وتأوه وتأخأخ. من شاهد خطبته «التاريخية»، يوم الأربعاء الماضي، كيف كاد قلبه ينفطر على الدولة العثمانية البائدة، وكيف تحوّل إلى متيّم ولهان بمدينة حلب، وأب غيور وحريص على الموصل (بكل معانيها وجغرافياتها)، حتى لتظنّه قيس بن الملوح أو عنترة بن شداد.
المشهدية البصرية في خطبة أردوغان كانت جزءاً أساسياً من الصورة. لا يُمكن فهم خطبة أردوغان تلك من دون سماعه مُباشرة بتشديداته على المقاطع اللفظية من الكلمات وبأنفاسه التي تكاد تكون جُملاً بكاملها وبتعابير وجهه التي لم تنشرح لحظة، بل كانت في غاية العبوس والانقباض والانكماش والغضب. حتى أصابعه، تحوّلت إلى كتلة شرر من الكلام والمعاني.
أما إذا انتقلنا إلى تفكيك مضمون هذه الخطبة، فلم تكن سوى خطبة سلطانية لرجل يرى في نفسه سلطاناً سلجوقياً وخليفة عثمانياً غازياً.
هي خطبة حرب وخطبة وداع. كأنه يترك وصيته للأتراك ولمن سيأتي بعده: «لا تعيشوا بسلام واستقرار، وليكن الاضطراب والغزوات دينكم، ولا تدعوا أي رئيس دولة ينعم بالسكينة، ولا تستكينوا أنتم على ما رسموه لكم، وليكن شعاركم استعادة كل شبر من الدولة التي امتدت يوماً على ثلاث قارات.

أولاً: في «اتفاقية لوزان» 1923
رسمت هذا الاتفاقية، التي وُقّعت في 24 تموز 1923، الحدود شبه النهائية بين تركيا والدول المنتصرة، ولا سيما فرنسا وبريطانيا وايطاليا وآخرين. الحدود التي رسمت في لوزان هي نفسها الحالية، مضافاً إليها لواء الاسكندرون، الذي سلّمته فرنسا، في العام 1939، إلى تركيا.
الاتفاقية لم تكن فقط خاصّة بالحدود الجغرافية. هي اتفاقية طويلة جداً، وتتضمّن تصفية تركة الدولة العثمانية. لذا فهي ألغت الامتيازات الأجنبية ووزّعت الدين العثماني بنسبة معينة على كل الدول التي استقلّت بعد انهيار الدولة. وأخرجت نهائياً كل القوات الأجنبية من تركيا ومنها المضائق. باختصار، كانت نصراً لما تبقّى من فلول عثمانية بقيادة مصطفى كمال الذي أعاد تحرير وتوحيد ما كان تبقّى من أراض في الأناضول، وبعدما كانت اتفاقية «سيفر» في العام 1920 بين الدول المنتصرة قد قطعت تركيا إرباً إرباً.
كانت قد بقيت مشكلة الموصل التي رفعت في لوزان إلى عصبة الأمم التي حقّقت عام 1925 في ميول السكان من الغالبية الكردية والتركمانية، وبعض العرب لتكون النتيجة أنهم يرفضون الانضمام إلى تركيا. وهم لم يؤيدوا الانضمام إلى العراق، لكنّهم قبلوا بأن يكونوا جزءاً من العراق لأنهم، وهذه نقطة مهمة، لم يكونوا يُريدون أن يكونوا جزءاً من تركيا.
المقصود بالموصل هنا، «ولاية الموصل» التي كانت تضمّ كل إقليم كردستان الحالي، إضافة إلى الموصل وكركوك. لكن بعد تقرير عصبة الأمم، لم يكن أمام مصطفى كمال سوى القبول بالتخلّي عن المُطالبة بالموصل في مقابل أن يحصل على عشرة في المئة من نفطها على مدى 25 سنة. وبذلك انتهت المسألة على صعيد القانون الدولي بتوقيع اتفاقية أنقرة في الخامس من حزيران 1926 بين بريطانيا والعراق وتركيا. وصادق البرلمان التركي والحكومة على الاتفاقية مصادقة كاملة ونهائية.
لكن المسألة لم تنته في السياسة. مصطفى كمال هدّأ من روع القوميين قائلاً إنه عندما تمتلك تركيا القدرة ستستعيد الموصل. واستمرت «مسلّة الموصل» تنخز تحت إبط الأتراك. تحوّلت إلى اندلس تركيا. وكان التجلّي الأكبر لهذا التطلّع خلال حرب الخليج الثانية أي حرب «تحرير الكويت» عندما أراد الرئيس التركي، حينها، طورغوت أوزال احتلال شمال العراق وإقامة فدرالية بين تركيا وأكراد تركيا والعراق معاً. لكن اعتراض رئيس الحكومة يلديريم آقبولوت ورئيس الأركان نجيب طورومتاي منع تلبية رغبة أوزال.
واستفاقت القضية من جديد مع سلطة حزب «العدالة والتنمية»، التي اعتبرت إقامة نظام فدرالي في العراق في العام 2003 بمثابة تهديد لتركيا. وتكاثرت المواقف الرسمية التركية التي تُلمّح إلى أن تقسيم العراق يدفع تركيا إلى المُطالبة بعودة الموصل إلى تركيا، وهو ما كرّره عبدالله غول ورجب طيب أردوغان واحمد داود أوغلو، الثلاثي الذي يُذكّر بثلاثي الاتحاد والترقّي، طلعت وأنور وجمال، أثناء الحرب العالمية الأولى.
في الواقع، إن الخطاب التركي حول لوزان والموصل يفتقد الأسس القانونية. فالتخلّي عن اتفاقية لوزان غير ممكن، فهذا يتطلّب موافقة كل أطراف الاتفاقية. كما أن اتفاقية أنقرة حول الموصل، لا تتضمّن أي إشارة إلى اشتراط التخلّي عن الموصل ببقاء العراق موحدا. فهذا أصبح من الشؤون الداخلية للعراق.
أما من الناحية السياسية، فإن مطالبة تركيا بالموصل كما بالجزر اليونانية الـ12، وربما غير الـ12 في بحر إيجه، يعني، بكل بساطة، فتح حروب جديدة ليس فقط مع اليونان والعراق بل أيضاً مع كل جيران تركيا من أرمينيا وايران إلى اليونان وبلغاريا نزولاً إلى سوريا. وفي هذا لعبة خطيرة جداً تفتح أمام نزاعات دموية قد لا تقلّ نتائجها الكارثية على تركيا عن نتائج الحرب العالمية الأولى على الدولة العثمانية.
لذا، فإن تحسّر أردوغان على الأراضي التي كانت بيد الدولة العثمانية وخسرتها تركيا في حروبها المختلفة، يفتقر إلى الحكمة والعقلانية والمشروعية. لأن هذا سيفتح، في المقابل، عشّ دبابير الآخرين على تركيا، وما أكثر التشابهات بين وضع تركيا اليوم، بخلافاتها مع الجميع وتهديداتها لهم، ووضع السلطنة العثمانية خلال الحرب العالمية الثانية وإعلانها الحرب على دول الحلفاء.

ثانياً: الميثاق المللي
كثرت الإشارة على لسان المسؤولين الأتراك اليوم، إلى ما يسمى بـ «الميثاق المللي» أي الميثاق القومي أو الوطني.
والميثاق المللي هو وثيقة أقرّها «مجلس المبعوثان» أي مجلس النواب العثماني في 28 كانون الثاني 1920 بإجماع الأصوات، ومن ثم أُعلن عنه رسمياً بعد حوالي الأسبوعين في 17 شباط. وقد لعب قائد حركة «التحرير الوطني»، حينها، مصطفى كمال، دوراً في رسم حدود البلاد في هذا الميثاق. وكان يتضمّن كل تركيا الحالية، إضافة إلى كل شمال العراق والذي كان يُعرف، كما أسلفنا، بولاية الموصل، وكل شمال سوريا بما فيه مدينة حلب ولواء الإسكندرون. وبالتالي، الميثاق المللي هو وثيقة داخلية لا دولية، وتخصّ الأتراك الذين يُمكن لهم أن يرسموا الحدود على الورق كما يشاؤون.
لكن اتفاقية أنقرة في 21 تشرين الأول من العام التالي أي 1921، أعادت رسم حدود الميثاق المللي بحيث طابق تقريباً، وبنسبة 90 في المئة، الحدود الحالية بين تركيا وسوريا. فقط تمّ إخراج لواء الاسكندرون من حدود الميثاق المللي على أن يحظى بحكم ذاتي ويترك تقرير مصيره إلى وقت لاحق مع مراعاة الهوية الثقافية للمُقيمين من الأتراك في اللواء. وفي تلك الاتفاقية، اعترفت فرنسا لتركيا باعتبار الأرض التي دُفن فيها شاه سليمان جد عثمان، مؤسس الدولة العثمانية، بالقرب من قلعة جعبر على نهر الفرات وبعمق حوالي 30 كيلومتراً جنوب الحدود التركية، أرضاً تركية لتركيا السيادة عليها.
اليوم، يرى أردوغان أن تركيا كانت مساحتها في العام 1914، مليونين ونصف مليون كيلومتر مربع. وفي العام 1923، تراجعت المساحة إلى 780 ألف كيلومتر مربع. لكنّه قال أيضاً، إن تركيا الحالية جاءت من ماضٍ مساحته عشرون مليون كيلومتر مربع. ويقول إن تركيا لم تستطع في العام 1923 أن تحمي حدود الميثاق المللي عام 1920. وقال إن البعض «خلق الأعذار حينها لهذا العجز عن حماية الميثاق المللي. ولكن الآخرين أرادوا بهذه الحدود أن يحبسونا في هذا المفهوم. لذلك نحن اليوم نرفض هذا المفهوم وهم أرادوا أمس، ويُريدون اليوم، أن يجعلونا ننسى ماضينا السلجوقي والعثماني. ونحن لا يُمكن في العام 2016، أن نتحرّك بنفسية 1923». وقال إن كل المصائب التي توالت على رأسنا منذ 93 سنة، سببها هذا المفهوم الخاطئ الذي عرّض الوطن للمخاطر ومن دون درع يحميه ودفعنا الثمن غالياً... أما اليوم فلسنا على استعداد لمواصلة دفع الثمن. لقد تركنا اليوم هذا المفهوم الخاطئ، ولن ننتظر لتأتي المصائب إلى بابنا بل سنذهب إليها حيث هي... هناك اليوم تهديدات جمّة علينا في سوريا وفي العراق. ولن ننتظر لتدخل حدودنا بل سنذهب إليها. وبدلاً من الانشغال بالذباب سنجفّف المستنقع. وسنلاحق الإرهاب حيث هو من تلّة إلى تلّة.
هذا الجزء من الخطاب يستدعي العديد من الملاحظات:
- إن حدود الميثاق المللي الذي يتحسّر عليه أردوغان، وكان يضمّ شمال سوريا وحلب وشمال العراق والموصل، تخلّت تركيا نفسها عنه مرّة مع فرنسا في العام 1921، ومرة مع انكلترا في العام 1926. وأصبحت بذلك هذه الحدود رسمية، وهي حالة تشمل كل الدول عبر التاريخ.
- إن مفهوم الانحباس داخل حدود 1923 الحالية، واعتبار أردوغان انه مفهوم خاطئ، يعني الانقلاب على أسس السياسة الخارجية التركية التي وضعها مصطفى كمال اتاتورك، وهي «سلام في الوطن، سلام في العالم» والامتناع عن التدخّل في الشؤون الخارجية للدول الأخرى. وهذا أمر له تداعيات على الاستقرار في المنطقة وعلى تركيا نفسها.
فقد أراد اتاتورك بذلك الشعار أن يُرتّب شؤون تركيا الداخلية ويحميها من سياسة المحاور والمغامرات الخارجية، باسم الاسلام والرابطة الإسلامية كما كان في عهد عبد الحميد الثاني، والتي امتهن قادة الاتحاد والترقّي بعده ممارستها، بإضافة بعد عرقي عنصري إليها، وجروا الدولة العثمانية ليس فقط إلى أكبر هزيمة في تاريخها، بل إلى نهايتها الفعلية.
3- إن سياسة الخروج من هذا المفهوم واتباع مفهوم جديد يُلاحق التهديدات في منابعها، ليس سوى مغامرة جديدة، خصوصاً أنه وضع المفهوم الجديد في سياق تاريخي يعود ليس فقط إلى العام 1920 بل إلى العام 1914. أي ان الانقلاب على سياسات تركيا التقليدية منذ العام 1923، يهدف إلى إعادة النظر بكل ما طرأ من تغييرات بعد الحرب العالمية الأولى، وليس فقط بعد العام 1920 أو 1923. وهذا بصريح العبارة فتح جبهة حروب بالجملة ضدّ كل الدول الحالية التي كانت تُشكّل المستعمرات العثمانية السابقة من البلقان إلى الولايات العربية وصولاً إلى القوقاز. ومن هنا إشارة أردوغان في 29 أيلول الماضي، إلى وصف لوزان بالهزيمة، من بوابة الجزر اليونانية في بحر إيجه بالذات، والتي قال أردوغان إنها تركية.
 - كل هذا ليأتي أردوغان إلى بيت القصيد، أي التبرير لكل ما يُحاول أن يقوم به اليوم من الموصل إلى حلب من مُغامرات عسكرية عنوانها الخطر الكردي والخطر المذهبي، فيما مضمونها إعادة الاستعمار العثماني إلى أي منطقة تستطيع آلة الحرب الأردوغانية الوصول إليها بدءاً من الموصل وحلب وصولاً إلى.... مكة.
5- استهلك الكلام على النزعة المذهبية جزءاً كبيراً من خطاب أردوغان. وكم كانت مُفارقة أن أردوغان الذي أعلن رفضه للصراعات المذهبية، كان في خطابه هذا، أكثر مذهبية من أي وقت مضى. يقول إنه ضدّ المذهبية، لكنه يُورد بعد دقائق من «رفضه» هذا، أنه اقترح على رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، عندما كان رئيساً للحكومة العراقية، تشكيل الجيش العراقي على أساس مذهبي تبعاً لحجم كل كتلة مذهبية في البلاد.
وفي خطاب الأربعاء كان أردوغان يُعدّد بصورة ممجوجة، الكتل السنية التي يُريد الدفاع عنها في العراق فقال إن «الأكثرية الساحقة من الموصليين هم من العرب ومن السنة. كذلك لنا هناك مقدار من إخوتنا التركمان السنّة». فهل يُمكن أن يكون هناك «عهر» مذهبي أكثر من أن أردوغان يُريد الدفاع عن التركمان السنّة، مُتجاهلا التركمان الشيعة الذين يُشكّلون نصف تركمان العراق، والذين عندما تعرّضوا للمجازر على يد «داعش» في تلعفر، لم يفتح أردوغان فاه مليمتراً واحداً على الرغم من أنهم من العرق التركي؟ هل من مثل أكثر من هذا على أن أولوية أردوغان هي المذهبية قبل أي شيء آخر؟ حتى لو انطلقنا من معيار مذهبي، فلماذا أردوغان نفسه، الذي يُريد تشكيل الجيش العراقي على أسس مذهبية، لا يفعل ذلك في جيشه ويسمح، ولو مرة واحدة، أن يكون رئيس أركان الجيش علوياً، أو أن يكون هناك محافظ علوي واحد من أصل الـ 81 محافظاً في تركيا؟
عندما يُخاطب أردوغان مدينة حلب قائلاً: «آه يا حلب... يا روحي يا حبيبتي يا حلب»، مُصاحباً ذلك بتنهّدات وآهات (للفائدة يرجى العودة إلى شريط الفيديو)، وعندما يقول «إننا سنُعيد بناء(!) المدينة بعد وقف النار»، فهذا جرس إنذار لمن لم يقتنع بعد، بأن تركيا دخلت سوريا لتحتلّ شمال سوريا، وأنها لن تنسحب منه إلا بعد أن تُحوّله إلى منطقة نفوذ. وكذلك تفعل الآن في شمال العراق. فمن لا يتورّع عن تدمير مدن داخل تركيا نفسها في ديار بكر وحقاري ويُهجّر أهلها لا يُمكن أن يكون غيوراً على مدن تقع خارج تركيا مثل حلب والموصل. وكما دخلت تركيا جرابلس في «غفلة» روسيا وحلفائها، وهؤلاء سيأكلون أصابعهم ندماً على تلك الغفلة، هي تُريد أن تدخل الموصل لكن هذه المرّة عنوة. مع فارق أن العراق يستدرك «خطأ جرابلس»، بإجراءات مُتعدّدة ضدّ تركيا وآخرها مذكرة اعتقال آثيل النجيفي مُحافظ الموصل السابق الذي كان رأس حربة في تسليم «داعش» بالتواطؤ مع تركيا قبل عامين ونصف العام.
- إن شرط احتلال شمال سوريا والعراق أو إقامة مناطق نفوذ كما كانت الحال في جنوب لبنان في عهد «جيش لحد»، هو ضرب الدولة المركزية. ولذا، فإن تركيا هي أحد أكبر اللاعبين الذين عملوا على ضرب وحدة سوريا كما العراق الجغرافية والاجتماعية والسياسية، خلافاً لما تقول إنها مع وحدة سوريا والعراق. لأن تقسيم سوريا كما العراق، هو الشرط الأول لتحقيق هذه الأطماع.
يؤكد رجب طيب أردوغان، يوماً بعد يوم، أنه عامل التهديد الأكبر للأمن والاستقرار، عامل تهديد لا يستثني أحداً من جيران تركيا. وليس مقبولاً أن يرى إبراهيم اليازجي هذا الخطر في العام 1883، ولا يراه «بعضنا» في العام 2016. فهل من يتنبّه ويستفيق؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق