Google+ Followers

الأربعاء، 16 نوفمبر، 2016

إلى فيروز في عيدها محمد حاج حسين

...وكل الذين يتوهمون أنّ حب فنان أو كاتب أو أي شخصية كانت، يأتي من خلال تغيير صورة بروفايل أول تذكره فقط في مناسبة كعيد ميلاده وذكرى وفاته أو حتى في نيله جائزة. لست ممّن يدّعون أنهم أوصياء على التقدير المفروض لأيّ شخص وكيف يجب، إلّا أنّ الذين يذكرون فيروز اليوم لمجرد أن الحالة العامة تتطلب ذلك، يجردون كل شيء من قيمته الحقيقة، كمعنى الصباح الذي نكسبه مع صوتها، أو ساعات النهار كلها، وكل هذه السنوات التي ما زالت ملتصقة بكل تفاصيلها، بأغنية، مسرحية، اسم على الأقل يستحق أن يكون أجمل من أن يصبح سلعة للتداول كجائزة نوبل وأدونيس كل سنة.

أن يكون صوت صباحك أزرق، وأنت تعد أيامك كلها، أصحابك كلهم، بيروتك وبيروتهم، والعيون تُبصر الكلام كأنّه خيط حلم موغل في القلب، كأنّه دورة الصوفي حين يناجي، صوت الصباح الأزرق، بكل هذا القلب، بكل هذه التفاصيل.
"هوى الأيام
متل رفوف سنونو".
ولطالما كان الحزن رفيقاً لي، نحن الجيل الذي خسر كل شيء حتى أسماءنا، لم نجد راحة بعد، إلّا أنّنا نبحث كل يوم عن شيء يردّ لنا قليلاً من الحب والفرح والإحساس بأننا ننتمي لجيل ما، جيل مرّ به كلّ شيء يشبهنا إلا انكساراتنا.
اليأس يسيطر عليّ تدريجياً كل يوم ينمو كأنّه شجر أسقيه ويُظلّني، أعرف أننا سيلتهم بعضنا بعضا، اليأس إما يرديك أو تبتلعه دفعة واحدة، لكي لا يترك ندبةً على جسدك.
أستمع لفيروز وأكاد أقول إنّني لن أتخلى عن هذه العادة، هذا الطقس، لنطلق عليه ما نشاء، إلا أنني في كل مرة أستمع لصوتها، أجد نفسي مجبراً على الفرح.
بدأت الحكاية مع "أمي يا ملاكي" وكانت تبث القناة الأرضية الأولى هذه الأغنية مع أغاني عيد الأم، كنت أحسّ بأنها تقدمها لنا، نحن الذين سيأتي علينا الزمان ونضيع بلا أمهات في منافينا هذه، سيضحك البعض ويقول: "أمك فيروز"، ليس الأمر بهذه البساطة، الفكرة تكمن بأنّ فيروز منحتك الأم التي لا تملك لها وصولاً فكان العزاء بصوتها.
الكاسيت (أظن أنني آخر من اشترى كاسيت من الذين بنفس عمري) كنت أسمع عشرات الأغاني وأحفظها، وأرددها بصمت، ثم أحاول تركيب حكايات عنها، وأحاول فهم الأسماء فيها. كنت في الراديو أعيش متعة الحظ، أحاول تصنّع أن ما سأسمع يجب أين يكون من الأغاني التي أحبها (كذب كل أغاني فيروز أحبها).
وبقيت أسمع فيروز بهذا النحو إلى اليوم الذي أتى فيه أخي وقال لي إنّنا جلبنا كمبيوتر وأهداني CD فيه مئات الأغاني. في هذا اليوم خسرت متعة الإصغاء لفيروز بشكل إجباري، إلّا أنني اكتشفت المسرحيات، التي صارت هوسي الجديد، أحفظ الحوارات، أتخيل حركات الدبكة، أعرف أين يضحك الجمهور وأين يجب أن أقف وأضرب رأسي بالجدار كلّما قالت: "لا بد ما شي نهار توصل مراكبنا على المينا" في "بترا"، أو حين تقول: "شي صوت عم بقول مسا الخير". كثيراً ما كنت أعتقد أن مسّاً يصيب الذين يحبون فيروز، لا أعرف إذا كنت أبالغ، ولكنّه جميل.
حين سمعت "هالة والملك" كنت أدرس للبكالوريا، وأحب إحداهن. سهرت يومها كعادتي وأنا أوهم أبي بأنني أدرس. كنا ننتظر الفجر لنتحدث، اتصلت بي، ولأول مرة لم أسمعها "شهرزاد"، بل بدأتُ المسرحية من حيث حوار "هب الريح"، وحين وصل الحوار لقول فيروز "عيني على الشباك وع حجار البيت" انتبهت إلى أنها تبكي. كانت أصغر مني إلّا أنها بدت لحظتها أكبر مني بكثير. لم أفهم لماذا بكت إلّا حين أخبرتني أن هذا الجزء للّواتي يجبرونهن على الزواج. يقتلون الحلم والحب، أتذكّر هذا الكلام وأنا أنظر إلى سبع سنين مضت على آخر مرةٍ تكلّمنا فيها. هي أجبرت على الزواج، وأنا أجبرت نفسي على التيه، حتى باتت ذاكرتي غربالاً صدئاً لا يأتي بذاكرته إلّا حين يهز القلب والعقل، فعل أقوى من الريح، كصوتها حين تقول: "وهالسر خليه سر، بيدبل إذا بتبوح".
في الجامعة كانت فيروز أشبه بهويةٍ لي، أخبرني أحد الأصدقاء أنّ انطباعه عني في لقائنا الأول كان أنني الشاب القادم من سراقب ومعه مكبر صوت يبث الألبوم الجديد لفيروز. لم أعرف يومها أن الجميع أخذ الألبوم مني، إلّا أنني أذكر ذهابي في الليل من "حلب الجديدة" إلى شارع اسكندرون لأشتري جملة بقيت معي إلى اليوم ولا أصدقها: "في أمل، إيه في أمل".
في لبنان صرت أسمع فيروز لأنسى كل ما حصل، وكيف الحرب حطمت كل شيء، حتى "ايدين الفقرا وشباك الصيادين"، الحرية التي لم نجدها هناك لم أجدها هنا، بقيت أطرق جدران الخوف وأكتب فوقها كلمات حفظتها عن ظهر قلب.
اليوم أكتب هذا الكلام وأنا لا أعرف حقيقةً ما أريد، سوى أنّني البارحة كنت في قمة السعادة وأنا أسمع "يا هوى بيروت يا هوى الأيام" كأنّها أول مرة، كأنّني في اليوم نفسه الذي سمعت "أمي يا ملاكي" ولم أبكِ، كما أبكي اليوم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق